
الحرب الخاطفة التي يشنها الملياردير الأمريكي إيلون ماسك لتدمير «الدولة العميقة»، عبر تخفيض الإدارات الحكومية والموظفين، وكشف إهدار النفقات، تحظى بالثقة الكاملة للرئيس دونالد ترامب، الذي أكد أنها ستؤدي إلى الكشف عن «مئات مليارات الدولارات» التي تم إنفاقها بطريقة احتيالية، لكن الأكثر إثارة أن هذه العملية تجري عبر فريق شاب يعمل خلف جدرٍ محصنة، فمن هو هذا الفريق وماذا يفعل بالتحديد وما كواليس الصراع الجاري داخل هذه الوكالات؟
السرية المقصودة التي حصن بها ماسك فريق مراجعة الإنفاق الفيدرالي بررها بأنها تأتي لحمايتهم حتى لا يكونوا أهدافاً محتملة للهجمات من قبل الموظفين المخضرمين في العاصمة واشنطن، أو حتى وسائل الإعلام، وكذلك الكونغرس، في ظل تمتعهم بصلاحيات واسعة للوصول إلى المعلومات الحساسة أو حتى مساءلة المعنيين سواء عن طريق المقابلات الشخصية أو محادثات الفيديو الرسمية.
بعض خفايا فريق ماسك تكشفت مع نهاية أسبوع عمله الثالث، حيث جلس ليقدم لنائب الرئيس جيه دي فانس إحاطة مدتها 90 دقيقة، في مبنى المكتب التنفيذي للرئيس أيزنهاور الفخم بجوار البيت الأبيض مجموعة من المساعدين الشباب الذين كان وجودهم في الوكالات الفيدرالية بمنزلة نذير للاضطرابات التي ستتبعهم.
في جميع أنحاء الحكومة الفيدرالية، على مدار الأيام الماضية، شهد الموظفون الهبوط المفاجئ والصاعق من قبل هؤلاء الأعضاء الشباب، حيث اقتحموا مقر الوكالات بحقائب ظهر سوداء وأوامر نافذة، واتضح أن أغلبيتهم من المهندسين وخبراء التكنولوجيا الذين لم تتجاوز أعمارهم 22 عاماً، بما في ذلك بعض خريجي الجامعات الجدد، وواحد على الأقل لا يتجاوز عمره 19 عاماً.
من بين ما يقرب من 40 عضواً في الفريق، أقل من نصفهم لديه علاقات سابقة مع ماسك، كما أن الكثيرين منهم لديهم خبرة حكومية قليلة، حسبما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. بينما بعضهم متدربين سابقين في شركاته. والقليل من المديرين التنفيذيين الذين خدموا لمدة تصل إلى عقدين من الزمن.
بحسب رواية بعض المطلعين فإنهم اتبعوا استراتيجية ماسك الشهيرة، القائمة على «إطلاق النار أولاً ثم النظر للهدف لاحقاً»، وذلك كطريقة للتغلب على البيروقراطية المتجذرة في واشنطن.
عندما نشرت وسائل إعلام أسماء بعض أعضاء الفريق، خرج ماسك للقول: إن الكشف عن أدوارهم يعد «جريمة»، وقامت منصة إكس بإزالة بعض المنشورات الخاصة بهم. كما استقال أحد مساعدي ماسك الذي ظهر اسمه، وهو ماركو إليز، الموظف السابق في إكس والبالغ 25 عاماً، بعد أن اتهمته تقارير إعلامية بنشر منشورات عنصرية، ويبدو أنه تمت إعادته لوظيفته لاحقاً.
أحد عناصر الفريق، وهو شاب في الـ23 من عمره، اشتهر سابقاً باستخدام الذكاء الاصطناعي لفك شفرة كلمة «أرجواني» الموجودة في مخطوطة يونانية قديمة، وقد تمكن هذا الشاب من الدخول بسرعة إلى خمس وكالات فيدرالية على الأقل، وكان يسعى للوصول إلى قواعد البيانات الحساسة، وقد كان جزءاً من مجموعة ساعدت بشكل فعال على إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وانضم إليه الشاب البالغ من العمر 19 عاماً، وكان طالباً في جامعة نورث إيسترن، كما تردد أنه تعرض للفصل من شركة لأمن البيانات بعد تحقيق في تسريب معلومات داخلية.
كما يوجد في الفريق بعض من كبار مستشاري ماسك، ومن بينهم براد سميث، رجل الأعمال في مجال الرعاية الصحية، والمسؤولة السابقة إيمي جليسون، وكريس يونغ، أحد كبار الناشطين الميدانيين الجمهوريين. كما يتمتع آخرون بخلفيات واسعة النطاق في القطاع الخاص، بما في ذلك من شركات، مثل ماكينزي و«مورجان ستانلي».
من بين ما قام به الفريق إرسال رسائل البريد الإلكتروني لجميع الموظفين في وقت متأخر من الليل، ومطالبة المخضرمين بتوضيح أدوراهم، وما قدموه من إنجازات.
في وزارة التعليم وحدها، تم إدراج ما يصل إلى 16 عضواً من الفريق في دليل الموظفين، كما أنه في مكتب إدارة شؤون الموظفين، وهو المركز العصبي لعمليات الموارد البشرية للحكومة الفيدرالية، قامت مجموعة صغيرة من المبرمجين بالمبيت في المقر طوال الليل، في حين قال ماسك: إن عدد ساعات عملهم 120 ساعة في الأسبوع. ووصل الأمر إلى أنه الفريق قام بتركيب أسرة في المقار الحكومية، مع وجود حارس أمن يمنع الموظفين من دخول المنطقة.
من بين الصدامات التي وقعت أن أحد أعضاء الفريق وصف علناً الموظفين الفيدراليين على أنهم «الديناصورات»، فيما رد هؤلاء بإطلاق ألقاب ساخرة على أعضاء الفريق.
أثناء تقييمهم لعمل الحكومة، كان مساعدو ماسك يجرون مقابلات بالفيديو مدتها 15 دقيقة مع الموظفين الفيدراليين، وكان من بين الأسئلة المطروحة، من سيختارون لطرده، إذا كان عليهم اختيار شخص واحد.
ـ الهدف المعلن ـ
يبدو أن أهداف فريق ماسك المعلنة تتمثل في تقليص الحكومة، والسيطرة على البيانات، واستبدال «القوى العاملة البشرية بالآلات»، عن طريق الأتمتة.
خلال هذه الفترة، اتبع فريق ماسك، نفس قواعد اللعبة في كل وكالة فيدرالية، والتي تتمثل في تثبيت الموالين لترامب في القيادة، ثم تحريك البيانات الداخلية، بما في ذلك الحساسة، والسيطرة على تدفق الأموال، والضغط بقوة للقضاء على الوظائف والبرامج التي لا تتماشى أيديولوجياً مع أهداف إدارة الجديدة.
ـ مخاوف أمنية ـ
خلال الساعات الماضية، رفض قاضٍ فيدرالي في واشنطن منع وصول أعضاء الفريق إلى بيانات وزارة العمل، حيث أعرب عن قلقه بشأن هؤلاء الموظفين الشباب الذين «لم يتلقوا أي تدريب فيما يتعلق بالتعامل مع المعلومات السرية» والوصول إلى «السجلات الطبية والمالية لملايين الأمريكيين».
بعد ذلك منع قاض اتحادي في نيويورك الأعضاء مؤقتاً من الوصول إلى أنظمة الدفع الحساسة في وزارة الخزانة، مشيراً إلى خطر «الضرر الذي لا يمكن إصلاحه». لكن ماسك دافع عن دور فريقه بالقول: إنه يسعى إلى إضافة معلومات روتينية حول مدفوعات الخزانة للمساعدة في اكتشاف الاحتيال.
ـ ماذا لو نجح ماسك؟ ـ
في حال نجاح ماسك وفريقه، فسيتم تخفيض القوى العاملة الفيدرالية بنسبة 10% على الأقل. ومن المتوقع أن تكون محاولة الدفع باتجاه الاستقالات الجماعية أولى الخطوات، رغم أن قاض فدرالي حظرها في ولاية ماساتشوستس، وربما تليها خطوة الفصل القسري الجماعي.
من المقرر تصفية ما يصل إلى نصف الممتلكات العقارية غير العسكرية المملوكة للحكومة، وهي خطوة تهدف إلى إغلاق المكاتب وزيادة أوقات التنقل وسط قيود جديدة حادة على العمل عن بعد، وفقاً لصحيفة واشنطن بوست.
في الوقت نفسه، بدأ مسؤولو البيت الأبيض في إعداد وثائق الميزانية التي تسعى إلى خفض بعض الوكالات والإدارات بنسبة تصل إلى 60%، ويقول الخبراء: إن هذه التحولات مجتمعة ترقى إلى واحدة من أكثر المحاولات لهيكلة الحكومة الفيدرالية في التاريخ الأمريكي.
يقول ديفيد سوبر، أستاذ القانون الإداري: إن التخفيضات المقترحة ستعيد الخدمة المدنية الحديثة إلى أواخر القرن التاسع عشر، وأضاف أن أكبر عمليتين سابقتين مماثلتين تقريباً كانتا محاولة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1973 إلغاء البرامج الفيدرالية التي لم تعجبه، ومحاولة الرئيس هاري ترومان عام 1952 لشن ما أسماه «تحقيق الأمة»، وكلاهما أسقطته المحاكم.
يقول المدافعون عن ماسك: إنه وترامب يطبقان فكرة «الميزانية الصفرية» القائمة منذ فترة طويلة، أي الوصول بكل الإنفاق إلى الصفر ثم إعادة البناء، وتعد هذه التحركات أيضاً من سمات أسلوب إدارة «ماسك» الذي يتخطى الحدود. وعندما تولى إدارة تويتر الذي أصبح «إكس» قام بطرد أكثر من 75% من الموظفين.
رغم أن معظم الجمهوريين في الكونغرس يدعمون تحركات ترامب وماسك، لكن حتى بعض المحافظين وحلفاء الرئيس القدامى أعربوا عن تحفظاتهم بشأن ما يجري، حيث وصفها بعضهم بـ«كرة مدمرة، وليست مشرطاً علاجياً».