همزة وصل -
دخلت الاتهامات للجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب الدائرة حالياً منعطفا جديداً بتحديد أسماء المتورطين المحتملين في المستوي الأدنى للقيادة "الرتب الوسيطة"، بعد أيام قليلة من طلب وزارة الخارجية الأميركية من السلطة القائمة في بورتسودان الاعتراف باستخدام أسلحة كيماوية.
المعطيات الجديدة فرضها انتقال القضية من مستوى التقارير العامة إلى مرحلة تتبع مسؤوليات محتملة داخل الرتب المتوسطة في المؤسسة العسكرية، وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط دولية متصاعدة تقودها الولايات المتحدة للمطالبة باعتراف رسمي والتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
الضغط الأمريكي ومرحلة "الاعتراف المحتمل"
خلال الأسبوع الماضي، طلبت وزارة الخارجية الأمريكية عبر إدارة الشؤون الإفريقية من السلطة القائمة في بورتسودان الاعتراف الفوري بوقوع انتهاكات ناجمة عن استخدام أسلحة كيميائية، ووقف أي استخدام آخر لها، والسماح بتحقيقات شاملة تشرف عليها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ويُعد هذا الطلب أول خطوة أمريكية مباشرة منذ فرض عقوبات على قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في مايو الماضي، باعتبار أن "أدلة قوية" تثبت استخدام أسلحة كيميائية عام 2024، بحسب السفير الأمريكي لدى منظمة الحظر الأسلحة الكيمائية.
مؤشرات بيئية وصحية تدعم الشكوك
منذ بداية عام 2025، ظهرت تقارير من مختصين تربط بين ارتفاع معدلات الإصابات التنفسية وتغيرات بيئية غير مألوفة وبين احتمال وجود تلوث كيميائي في مناطق عدة، أبرزها الخرطوم ووسط السودان وشمال دارفور، ورغم غياب تأكيدات رسمية من أي طرف داخلي، إلا أن هذه المؤشرات جعلت من الملف محوراً لتحركات دولية أكثر جدية.
شحنة "براميل الكلور".. الخيط الأكثر حساسية
أبرز ما استندت إليه التقارير الأخيرة هو الكشف عن تفاصيل شحنة استيراد تضم 17 برميلاً من الكلور السائل قادمة من دولة آسيوية في يوليو 2024، وصلت إلى ميناء بورتسودان في 17 أغسطس من العام نفسه.
وتشير وثائق استقصائية إلى أن تتبع الرقم التسلسلي لأحد البراميل كشف عن تطابق دقيق بين مسار الشحنة وبين مواقع عسكرية شهدت لاحقاً ادعاءات باستخدام مواد قد تكون ذات طبيعة كيميائية، وتعليقاً على هذا التطور، أكدت المحامية والناشطة رحاب المبارك أن هذه الاتهامات "ليست جديدة" وأن هناك تقارير دولية سابقة وثّقت حالات مماثلة في جبال النوبة ودارفور.
مصفاة الجيلي.. نموذج للاتهامات الميدانية
تمثل مصفاة الجيلي شمال الخرطوم بحري إحدى أبرز النقاط التي ارتبطت باتهامات استخدام مواد كيميائية خلال معارك سبتمبر 2024، وكانت قوات الدعم السريع قد أفادت — في ذروة الاشتباكات حول المصفاة — بأن الجيش استخدم "صواريخ مجهزة بغازات سامة"، ما أدى إلى حالات اختناق وضيق تنفس وسط العاملين.
الجيش من جانبه نفى في حينها هذه الاتهامات، مؤكداً أن عملياته كانت "تقليدية" ولا تتضمن أي نوع من الأسلحة المحظورة.
تتبع المسؤوليات داخل الجيش
وفق مصادر مطلعة، بدأ التركيز الدولي مؤخراً على الرتب المتوسطة داخل الجيش السوداني، باعتبارها الحلقة الأكثر قرباً من آليات نقل وتخزين وإدارة المواد الكيميائية، سواء كانت للاستخدام الصناعي أو العسكري، ويشير محللون إلى أن انتقال الملف من مستوى الاتهامات السياسية إلى مستوى التتبع الفني والتقني يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية، خصوصاً إذا ما قررت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إرسال فريق تقصي حقائق إلى السودان.
القضية تحت المجهر
بين الوثائق والشحنات المشبوهة، وبين الضغوط الدولية والاتهامات الميدانية، يدخل ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مرحلة غير مسبوقة من التدقيق، ورغم تمسك الجيش السوداني بنفيه القاطع، إلا أن المعطيات الجديدة تضع القضية تحت مجهر دولي متصاعد، في انتظار ما قد تكشفه التحقيقات التقنية خلال الشهور المقبلة.



