همزة وصل -
لم يعتد رفاق السلاح يوما الوقوف على الهامش، ولا ترك المعركة لغيرهم. وحين تنتقل معركة الدولة من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي، يصبح الغياب تقصيرا، ويغدو الصمت خطرا لا حيادا.
واليوم، يقف الأردن عند لحظة وطنية دقيقة، تتقدم فيها السياسة إلى واجهة القرار، بوصفها خط الدفاع الأول عن الدولة وإستقرارها.
وفي هذه اللحظة المفصلية، المتزامنة مع مشروع التحديث السياسي بإعتباره خيار دولة لا رجعة عنه، ولا يحتمل التردد أو الفراغ، لم يعد مقبولا أن يغيب المتقاعدون العسكريون عن المشهد السياسي، أو أن يختزل دورهم في الذاكرة والتكريم فقط. فهؤلاء لم يكونوا يوما جمهورا عابرا، بل شكلوا عبر تاريخ الدولة قوة توازن، وعمودها الفقري، وحراس إستقرارها.
وقد تعلمنا في المؤسسة العسكرية والأمنية أن الفراغ أخطر من المواجهة، وأن ترك المواقع الحساسة يفتح الباب للفوضى مهما حسنت النوايا، وأن الإنسحاب غير المنظم يراكم أخطاء يصعب تصويبها لاحقا. واليوم تمر الساحة السياسية الأردنية بمرحلة إعادة تشكيل، ومن يبتعد عنها بإرادته، يسلم القرار لمن قد لا يمتلك الخبرة .
ونحن ندرك أن التحفظ على العمل الحزبي له أسبابه، وأن لدى كثير من رفاق السلاح تحفظات مشروعة تشكلت بفعل تجارب سابقة لم تكن على مستوى المسؤولية الوطنية ، غير أن إستمرار هذا التحفظ في لحظة التحول لا يقرأ حرصا، بل ترددا. فالمرحلة الحالية ليست إستنساخا للماضي، بل مسار جديد تحكمه قواعد دستورية وتشريعية واضحة، وضمانات تهدف إلى بناء حياة سياسية مستقرة لا صاخبة، ومنتجة لا عبثية.
ونحن في ملتقى رفاق السلاح، لم ننجرف وراء الشعارات، ولم نتخذ موقفا إنفعاليا، بل إلتقينا عددا من الأحزاب الوطنية، وحاورنا قياداتها، وناقشنا برامجها، وقيمنا خطابها ، وخرجنا بقناعة واضحة مفادها أن العمل الحزبي المنضبط بات ضرورة وطنية، وأداة تنظيمية لا غنى عنها للمشاركة في صناعة القرار، وتصويب المسار من الداخل، لا الإكتفاء بالنقد من الخارج.
فمشاركة المتقاعدين العسكريين في الحياة السياسية لا تمس قدسية المؤسسة العسكرية ولا حيادها، فذلك خط أحمر مصون، لكنها في المقابل تشكل صمام أمان للمسار السياسي، وتحميه من الإنحراف، وتمنع تحوله إلى منصة خطابات بلا مسؤولية. وما نخشاه اليوم ليس إختلاف البرامج، بل إختلاف البوصلة ، وليس تنوع الآراء، بل غياب من يعرفون سقف الدولة وحدودها.
وقد تغيرت أدوات الدفاع عن الأوطان، وأصبح القرار السياسي هو خط الدفاع الأول، وتركه دون أصحاب الخبرة والإنضباط والمسؤولية لا يمكن إعتباره خيارا آمنا.
وختاما، نقول بأن الدول لا تختبر بما تواجهه من تحديات، بل بمن ينهض لتحمل مسؤولية مواجهتها. فالمسارات الوطنية الكبرى لا تنتظر المترددين طويلا، ولا تمنح فرصا متكررة لمن يختار الترقب بدل الفعل ، ومن يدرك خطورة التحولات، يعلم أن الحكمة ليست في تأجيل قرار الإنضمام إلى الأحزاب، بل في إتخاذه قبل أن يصبح بلا جدوى.
وعليه، نهيب بالسادة رفاق السلاح من مختلف الرتب، المسارعة إلى الإنخراط في الأحزاب الوطنية، كل حسب قناعاته وما يراه مناسبا، إسهاما في حماية الدولة، وصون إستقرارها، والمشاركة الواعية في صناعة مستقبلها.
العميد المتقاعد
رئيس ملتقى رفاق السلاح
الدكتور بسام روبين



