همزة وصل -
" العجلوني حسن العزبي سادن التعليم "
" لقد عشقت المدرسة عشقا أبديا " ــــ حسن العزبي
بقلم : الدكتور سفاح الصبح
تصوير : منصور الحصان
شخصية مهيبة ، كثيرا ما أطلت الوقوف بها وتريثت أتعمق معانيها وأسرارها ، وما لبث أن اصبح وقوفي بها تعلقا يزيد على مر الأيام ، تعلقا بعالم وطن ، وذاكرة جيل ، وأيقونة تعليم في محافظة الأردن الأجمل عجلون .
تفتحت عيون الفتى حسن على الدنيا في عام 1935م في مسقط رأسه بمدينة كفرنجة التي أسلمه فيها والده في سن السابعة إلى معلم جبار رآه ذات مرة يكتب بيده اليسرى ، فانقض عليه بضربة من كفه على وجهه عقابا له . ويفوت ذلك المعلم معرفة بأن تلك اليد اليسرى سيكون لها شأنٌ عظيم في قابل الأيام ، وأنها ستسطر تاريخ معلّم أردني يعلق في الذاكرة ويسكن في الخلود .
وتبدأ رحلة المجد عام 1956م بتخرج الأستاذ حسن في أول فوج من مدرسة عجلون الثانوية بدرجة " خامس ثانوي" الدرجة العلمية الأعلى التي تمنحها الدولة الأردنية آنذاك ، ومعها تبدأ مسيرة عاشق الحرف بالتطواف في مدارس إربد وعجلون والسعودية وقطر و الكرك ومادبا ثم إلى عجلون التي يستقر بها المقام مديرا لمدرسة كفرنجة الثانوية ، المدرسة العريقة بين مدارس المملكة الاردنية قاطبة من عام 1974م ، إلى 1994م باستثناء 3 سنوات خلت من عام 1979م إلى عام 1982م .
ويستمر شغف الأستاذ حسن العزبي بالعلم مغالبا تغيرات الحياة و متطلبات الأسرة الكبيرة ، ليحقق نصرا جديدا في معركة الحياة المفتوحة بنيله درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بيروت العربية عام 1973م .
وبعد أربعين حولا من العطاء الكبير والعمل الشاق والعشق المضني للمدارس يقرر أستاذ الجيل إحالة نفسه إلى التقاعد مبكرا منسحبا من ساحة الحب الذي لم يعد يحتمل تحولاته وحساباته ، ضائقا ذرعا بسياسات التعليم الجديدة التي بدأت تثقل معها كاهل المدير .
ويتقاعد المعلم ليتذكر فصولا من قصص كفاحه الممتدة ، فيتذكر وقتما كان صغيرا ينتظر مبكرا وأصحابه مرور موكب المعلمين ساعة ذهابهم إلى المدرسة ، ليرمقوهم بأعين الإعجاب هيبة ورهبة للباسهم ومشيتهم وأنفتهم ، يتذكر ذلك مع حسرة على تغير الحال وتبدل الأحوال .
ويتذكر بفخر أنه لم يرسل معلما مرة واحدة ليشغل حصة مدرسية خلفا لزميله ، بل كان يذهب بنفسه لإشغالها طيلة أربعين عاما حبا لا واجبا ، يذهب ليطمئن على التحصيل العلمي لأبنائه الطلاب ، و ليعلمهم لغة النحو ، ولغة التفكير ، ولغة المستقبل .
ثم يتذكر سادن التعليم جلال مدرسة الأمس وهيبتها ، وذلك في حادثة نادرة مرت بها ثانوية كفرنجة وقت زيارة وفد لها من المشرفين أثناء إقامة بطولة كروية في ساحتها ، وعندما وصل الوفد إلى غرفها الصفية وجدوها في هدوء ينبئ بأن طلاب الصفوف قد غادروها ، ولكن تحدث المفاجأة عندما يرى المشرفون الغرف تغص بالطلبة الآمنين مع الساحات التي تعج بصخب اللاعبين . ويضحك كلما تذكر مقولة المشرفين له : أستاذ حسن أين الطلاب ؟! ويشير لهم بيسراه : إنهم في مقاعدهم ساكنون في ملكوت التعليم .
كما يتذكر أنه لأربعين عاما في إدارة المدارس لم يصدر عقوبة في حق معلم إلا مرة واحدة اضطره فيها معلم طامع في تدريس طلاب الثانوية بالرغم من حداثة وصوله إلى المدرسة ، ومع ذلك فرض هيبة طاغية على زملائه تناقلتها أجيال و شهدت بها أجيال .
وأخيرا ، يتذكر بعمق رقمه الوزاري ( 7890 ) ، ويتذكر بحزن تاريخ تقاعده في 1994/8/21 م .
وفي الجهة المقابلة من مسرح الأحداث يذكر آلاف الخريجين أستاذا لهم كان " يغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم " . كما يذكرون بوضوح يد أستاذهم اليسرى في مشهد درامي متكرر يقف فيه أمام طالبه رافعا إياها إلى أعلى رأسه ، ثم يأخذ بإصبعه في حكها ، حتى يظن أن الأستاذ غفى عنه وسهى دونه ، وما هي إلا لحظة تنقض عليه مؤلمة مركزة تحاكي ذاك الكف القديم الذي عوقب به .
وأما اليوم فيتقدم أبناء الجيل كله من العالم العلم حسن العزبي ، عاشق التعليم الذي لم يمد بعيونه الى غير منصب المعلم الذي لم يعدل في نظره أي منصب بالحب والامتنان ، والدعاء بحسن الخاتمة وعظيم الأجر . وحالهم تقول : سلامٌ عليك ايها العالم النحرير ، سلامٌ عليك أيها الأديب الأريب .



