همزة وصل -
تشرق الشمس على جبال عمّان وسهول حوران، وتنعكس على مياه العقبة وصحراء وادي رم، حاملةً معها عبق ذكرى مجيدة، وصياغة فخرٍ أزليّ، يعلن فيها الأردن للعالم أجمع أن السيادة لا تُوهب، بل تُنتزع بصمود الشرفاء وحكمة القيادة. إن يوم الاستقلال للمملكة الأردنية الهاشمية ليس مجرد تاريخ يُحتفى به على تقويم الأيام، بل هو محطة وطنية خالدة نقف فيها إجلالاً لوطنٍ صاغ مجده بالإرادة، ونسج حريته بتضحيات الرجال اليعاربة، ورواه بطهر دماء الشهداء الأبرار. فلم يكن الأردن يوماً مجرد رقعة جغرافية على خارطة الشرق الأوسط، بل كان على الدوام صرحاً سيادياً أصيلاً، ومحور ارتكازٍ استراتيجياً، وصوتاً للحكمة والاتزان، تأسس على شرعية هاشمية ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، تستمد قوتها من مبادئ الثورة العربية الكبرى، وقيم العدالة والكرامة والنهضة الإنسانية.
لقد نهضت الدولة الأردنية الراسخة على ركائز صلبة جعلتها عصيّة على الانكسار في إقليمٍ متلاطم الأمواج، يقود سفينتها آل البيت بحنكة واقتدار، يوازنون بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية، وبين التطوير والتحديث المستمر. ويحمي هذا الوطن جيشٌ عربيٌّ مصطفويّ، شكّل على الدوام سياج الأردن ودرعه الحصين، وسطر ملاحم البطولة في باب الواد واللطرون والكرامة، وظلّ عنواناً للشرف العسكري والبطولة والانتماء. وإلى جانب ذلك، بقي الشعب الأردني، بوعيه وتماسكه، حجر الأساس في مسيرة البناء الوطني، مجسداً أسمى معاني الولاء والانتماء والوحدة الوطنية.
وفي عالمٍ تحكمه التحولات المتسارعة وتعصف به الأزمات، برز الأردن كأيقونة للاستقرار السياسي والدبلوماسي، وجعلت حكمة قيادته من عمّان عاصمةً للقرار العقلاني، والوسيط الموثوق، والمدافع الصلب عن قضايا الأمة العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف. وقد أثبت الأردن في مختلف المحطات أن قوة الدول لا تُقاس بحجم الجغرافيا أو وفرة الموارد، بل بصلابة المبدأ، وعمق الإرادة، والقدرة على الثبات في وجه التحديات.
وتوازى هذا الثبات السياسي مع مسيرة تنموية شاملة امتدت إلى مختلف القطاعات، بدءاً من الاحترافية العالية في المنظومتين العسكرية والأمنية، ووصولاً إلى التميّز المتجذر في التعليم والقطاع الطبي، اللذين رسّخا مكانة الأردن مركزاً إقليمياً للعلم والخبرة والكفاءة. كما يواصل الأردن اليوم مسيرته بثقة نحو مشروع وطني حديث، يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، قائم على التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وتمكين الإنسان الأردني، وتعزيز دور الشباب والمرأة، وترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون، ليبقى الأردن نموذجاً للدولة التي لا تكتفي بصناعة التاريخ، بل تُحسن صناعة المستقبل أيضاً.
وفي عيد الاستقلال الثمانين، لا يحتفل الأردنيون بذكرى عبورٍ سياسي فحسب، بل يحتفون بمسيرة وطنٍ كتب بوعيه وصبره وقيادته قصة دولةٍ عصيّة على الانكسار، ثابتة الجذور، عالية الراية، تمضي إلى المستقبل بثقة الملوك وإرادة الشعوب. فليحفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً وجيشاً، وليبقَ الوطن الهاشمي عنوان السيادة والكبرياء، ومنارة الاعتدال، وراية المجد التي لا تنحني.



