همزة وصل -
كتبت /مريم عوض
لطالما بدت بوليوود من الخارج كعالم من الأضواء والنجومية والفرص. لكن خلف الكاميرات، تتكرر منذ سنوات أسئلة أكثر حساسية: من يملك مفاتيح الدخول إلى عالم التمثيل؟ وهل تكفي الموهبة للوصول؟ أم أن العلاقات والانتماء إلى عائلات فنية وشبكات مهنية مغلقة يمكن أن تمنح البعض أفضلية على حساب آخرين؟
خلال السنوات الأخيرة، خرج عدد من الممثلين للحديث علناً عن تجاربهم مع الرفض، والمحسوبية، وضغوط العمل، وما يعرف بـ«Casting Couch». هذه التصريحات أعادت إلى الواجهة وصفاً شديد الحساسية يتكرر في النقاش العام: «مافيا بوليوود».
لكن هل نحن أمام «مافيا» بالمعنى الحقيقي للكلمة، أم أمام صناعة ضخمة تحكمها شبكات مصالح وعلاقات مهنية ونفوذ اجتماعي يصعب على الوافدين الجدد اختراقها؟
من «المحسوبية» إلى «مافيا»… كيف بدأت الحكاية؟
مصطلح «Movie Mafia» دخل بقوة إلى النقاش الجماهيري الهندي بعد تصريحات سابقة للممثلة كانغانا رانوت، التي اتهمت شخصيات بارزة في الصناعة بتكريس المحسوبية. ومنذ ذلك الحين، أصبح النقاش حول Nepotism جزءاً دائماً من الحديث عن بوليوود.
وفي المقابل، هناك شخصيات من داخل الصناعة ترفض اختزال المشهد كله في نظرية المؤامرة.
الممثل عمران هاشمي، الذي ينتمي بدوره إلى عائلة لها صلات بصناعة السينما، قال إن المحسوبية موجودة وإن أبناء العائلات الفنية يحصلون على فرص بحكم خلفياتهم، لكنه اعتبر أن تحويلها إلى تفسير وحيد لكل حالة فشل أو رفض يفتقر إلى الدقة. كما أشار إلى أن دخول الغرباء إلى الصناعة قد يكون صعباً، لكنه ليس مستحيلاً.
وهنا تظهر المفارقة: وجود المحسوبية لا يعني تلقائياً وجود تنظيم إجرامي أو «مافيا» بالمعنى الحرفي.
«الـCasting Couch»… الوجه الأكثر قتامة
ربما تكون أكثر القضايا حساسية هي ما يعرف بـ«Casting Couch»، أي استغلال حاجة الممثل أو الممثلة إلى العمل من أجل طلب خدمات أو تنازلات ذات طبيعة جنسية.
في عام 2025، تحدثت الممثلة سورفين تشاولا علناً عن مرحلة في مسيرتها قالت إنها شعرت خلالها بأن ظاهرة الـCasting Couch منتشرة بشدة، وأضافت أنها خسرت أدواراً بعدما رفضت تقديم تنازلات.
كما تحدث رانفير سينغ في مقابلات سابقة عن تجربة قال إنه تعرض خلالها لمحاولة استغلال من شخص قدّمه له باعتباره وكيل اختيار ممثلين، وذكر أن الرجل حاول التفاوض معه بشأن طلبات ذات طبيعة جنسية.
هذه الروايات، بصرف النظر عن تقييم كل واقعة على حدة، تكشف مشكلة مختلفة عن «المحسوبية»: عندما تصبح الحاجة إلى فرصة عمل أداة ضغط على شخص في بداية مسيرته.
هل الاختبارات نفسها أصبحت ساحة للنفوذ؟
الجدل لا يتوقف عند المحسوبية أو الاستغلال الجنسي.
في 2025 و2026 ظهرت أيضاً تصريحات عن طبيعة اختبارات الأداء وطريقة تعامل بعض مسؤولي الاختيار مع الممثلين.
الممثلة إيشا تلوار تحدثت علناً عن تجربة وصفت فيها أحد الاختبارات بأنها «غريبة»، ثم ظهرت اتهامات أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن أسلوب تعامل مسؤولة اختيار في شركة إنتاج كبيرة. هذه الادعاءات بقيت في إطار تصريحات أصحابها ولم تكن، بحسب التقارير المنشورة، حكماً قضائياً يثبتها.
وفي يونيو 2026، أثار الممثل فيكرانت ماسي جدلاً آخر عندما تحدث عن تجاربه مع مسؤولي اختيار الممثلين، وانتقد ما وصفه بتدخل بعض مساعدي الاختيار في أداء الممثلين أثناء الاختبارات.
المشهد هنا أكثر تعقيداً: المشكلة ليست بالضرورة في وجود عملية اختيار، بل في مدى الشفافية، ومعايير الاختيار، وقدرة الممثل على الاعتراض عندما يشعر بأن العملية غير عادلة.
المال… العامل الذي لا يمكن تجاهله
من زاوية أخرى، كشف الممثل عمران خان في حديث عن فيلمه Matru Ki Bijlee Ka Mandola رؤيته لكيفية ارتباط اختيار بعض النجوم بميزانية الفيلم وقدرة الممثل على جذب التمويل.
خان قال إن اختياره للفيلم لم يكن، من وجهة نظره، قائماً بالكامل على ملاءمته الإبداعية للدور، وإنما ارتبط أيضاً بقدرته على المساعدة في تأمين ميزانية معينة للمشروع. وهذه رواية شخصية عن تجربة محددة وليست دليلاً عاماً على آلية عمل كل صناعة السينما الهندية.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل ما يبدو للممثل الشاب «محسوبية» قد يكون في بعض الحالات قراراً تجارياً مبنياً على اسم النجم وقدرته على جذب الجمهور والتمويل؟
الحد الفاصل بين الأمرين ليس دائماً واضحاً.
«أبناء النجوم» في مواجهة «الدخلاء»
المشكلة تصبح أكثر وضوحاً عندما يدخل طرفان إلى المنافسة على الدور نفسه: ممثل بدأ حياته من الصفر، وممثل آخر ينتمي إلى عائلة معروفة في الصناعة.
كريتي سانون تحدثت في 2026 عن فقدانها أدواراً لصالح أبناء نجوم، وقالت إن العمل خارج عائلة سينمائية يعني قدراً أكبر من عدم اليقين. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أن هناك تحسناً في بعض جوانب الصناعة، مع استمرار وجود تحيزات ومشكلات مرتبطة بالسلطة والجندر.
في المقابل، ترى زويا أختر أن الأرقام، بحسب قراءتها للمشهد، تظهر دخول عدد كبير من القادمين من خارج العائلات السينمائية إلى الصناعة وتحقيقهم النجاح، وهو ما تستخدمه للرد على الطرح القائل إن بوليوود مغلقة بالكامل أمام الغرباء.
وهكذا يبقى الخلاف قائماً: هل الحالات الناجحة للغرباء تثبت أن النظام مفتوح؟ أم أن وجودها لا يلغي وجود أفضلية هيكلية لمن يملكون العلاقات؟
إذن… هل بوليوود «مافيا»؟
الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة.
لا تكفي تصريحات الممثلين عن المحسوبية أو صعوبة الحصول على الأدوار لإثبات وجود «مافيا» بالمعنى التنظيمي أو الجنائي. لكن هذه التصريحات تكشف عن وجود شبكات علاقات، تفاوت في النفوذ، محاباة يُتهم بها بعض العاملين، ومشكلات مرتبطة بعملية الاختيار والاستغلال المهني.
والأهم أن هذه الظواهر ليست شيئاً واحداً.
فـ«المحسوبية» تختلف عن «الاستغلال الجنسي»، وكلاهما يختلف عن «الاحتكار الاقتصادي» أو «التلاعب بالفرص». جمع كل هذه الظواهر تحت كلمة واحدة مثل «مافيا» قد يجعل العنوان أكثر إثارة، لكنه قد يجعل التحليل أقل دقة.
ما الذي تغير؟
ظهور منصات البث الرقمي، وانتشار اختبارات الأداء عبر الإنترنت، وتزايد الحديث العلني عن تجارب الممثلين، كلها عوامل جعلت السيطرة على مسار الفنان أكثر تعقيداً من الماضي.
لكن ذلك لا يعني أن المشكلة انتهت.
ففي 2026، ما زالت تصريحات ممثلين مثل كريتي سانون وفيكرانت ماسي وغيرهما تعيد طرح الأسئلة نفسها حول الوصول إلى الفرص، وطبيعة الاختبارات، ودور العلاقات الشخصية والاسم العائلي في الحصول على الأدوار.



