ما الذي يحدث خلف صور النجوم على البساط.. حين يدخل الفن والسياسة والمنظمات على الخط؟

{title}
همزة وصل   -

كتبت /مريم عوض 
صورة بسيطة قد تبدو عابرة..فنان شهير يجلس على بساط، يغمض عينيه، يتنفس بعمق، ثم يكتب لملايين المتابعين: «السلام يبدأ من الداخل».
لكن ماذا لو كانت القصة أكبر من مجرد تمرين؟
ماذا لو تحولت اليوجا، التي يعرفها الملايين باعتبارها ممارسة للصحة والمرونة والاسترخاء، إلى مساحة تلتقي فيها صناعة النجوم، والإعلان، والتجارة، والمؤسسات، والثقافة، وحتى القوة الناعمة للدول؟
هنا تبدأ الحكاية التي لا تظهر في الصورة.

من «تمرين» إلى ظاهرة عالمية

لم تعد اليوجا نشاطًا محدودًا داخل الاستوديوهات الرياضية.
في الهند، موطن اليوجا التاريخي، أصبحت مناسبة سنوية ضخمة تحشد الحكومات والمؤسسات والمدارس والشركات والمنظمات والشخصيات العامة.
وفي اليوم الدولي لليوجا عام 2025، أعلنت الحكومة الهندية تسجيل أكثر من 1.3 مليون فعالية مرتبطة بالمناسبة داخل البلاد. كما شاركت مؤسسات وجماعات من قطاعات مختلفة في الفعاليات.
والأكثر إثارة أن الحكومة الهندية لا تخفي البعد الثقافي والدولي للموضوع.
الرئيسة الهندية دروبادي مورمو وصفت اليوجا بأنها أصبحت جزءًا من القوة الناعمة للهند، وربطت انتشارها بالتواصل بين الشعوب والدول.
إذن، الصورة ليست مجرد «رياضة».
هناك دولة تستخدم تراثًا ثقافيًا انتشر عالميًا لتقديم صورة معينة عن هويتها وحضارتها.

وهنا يظهر دور النجوم

لكن كيف تصل الرسالة إلى الجمهور العادي؟
هنا يأتي المشاهير.
نجوم السينما والموسيقى والإعلام يمتلكون ما لا تملكه البيانات الحكومية: الوصول المباشر إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ.
وفي حملة اليوم الدولي لليوجا عام 2025، شاركت شخصيات فنية هندية معروفة، من بينها أنوبام خير، أنيل كابور، شيـلپا شيتي وراكول بريت سينغ، في الترويج لليوجا ضمن الفعاليات الرسمية.
وهنا تظهر معادلة مثيرة للاهتمام:
الدولة تمتلك المؤسسة.. والنجم يمتلك الجمهور.
وعندما يجتمع الاثنان، يمكن لممارسة ثقافية واحدة أن تتحول إلى حملة جماهيرية ضخمة.

هل هذا يعني أن الفنان «يعمل للسياسة»؟

هنا يجب التوقف ليس بالضرورة.
وجود فنان في حملة أو نشره صورة وهو يمارس اليوجا لا يثبت أنه ينفذ أجندة سياسية.
قد يكون مقتنعًا بالممارسة نفسها.
قد تكون مشاركته صحية أو ثقافية.
وقد تكون جزءًا من حملة معلنة.
وقد يكون هناك تعاون تجاري.
لكن القفز من هذه الحقائق إلى اتهام شخص بأنه يعمل سرًا لصالح جهة سياسية يحتاج إلى دليل مستقل.
وهذه النقطة تحديدًا هي الفارق بين التحقيق الصحفي ونظرية المؤامرة.

المفاجأة ليست في «المؤامرة».. بل في حجم المنظومة

القصة الأكثر إثارة ربما ليست وجود مؤامرة سرية أصلًا.
بل أن اليوجا أصبحت بالفعل جزءًا من منظومة ضخمة ومعلنة ،وفي 2026، أعلنت وزارة AYUSH الهندية وصول تسجيلات المؤسسات المشاركة في «Yoga Sangam» إلى نحو 600 ألف منظمة قبل الاحتفالات الرسمية.
رقم كهذا يغيّر طريقة النظر إلى الظاهرة.
لم يعد السؤال:
«لماذا يمارس هذا الفنان اليوجا؟»
بل:«كيف تحولت اليوجا إلى شبكة ثقافية واقتصادية وإعلامية بهذا الحجم؟»

بابا رامديف.. عندما تتقاطع اليوجا مع التجارة والسياسة

ولا يمكن الحديث عن الجانب الأكثر جدلًا في هذه الظاهرة من دون التوقف عند بابا رامديف.
فالرجل لم يبقَ داخل عالم تعليم اليوجا، بل أصبح اسمًا بارزًا في عالم الأعمال والإعلام، وارتبط اسمه بشركة Patanjali Ayurved، كما أصبح له حضور واضح في النقاش العام الهندي.
دراسات أكاديمية تناولت تحديدًا التداخل بين اليوجا والأيورفيدا والهوية الوطنية والسوق في تجربته.
وهنا تتضح الصورة أكثر:
الممارسة الصحية يمكن أن تتحول إلى صناعة، والصناعة يمكن أن تتحول إلى نفوذ، والنفوذ يمكن أن يتقاطع مع السياسة والثقافة.
لكن هذا لا يعني أن كل من يمارس اليوجا جزء من هذا المشروع.

الصورة التي تصل إلى هاتفك ليست القصة كلها

المتابع يرى 30 ثانية من فيديو.
جلسة يوغا،موسيقى هادئة،ابتسامة،رسالة عن السلام والصحة.
لكن خلف هذا المحتوى قد توجد حملة إعلامية، أو مؤسسة، أو علامة تجارية، أو فعالية رسمية، أو مشروع ثقافي.
وأحيانًا قد لا يوجد أي شيء من ذلك.
وهنا تكمن أهمية الصحافة: أن تسأل قبل أن تتهم.

أين تنتهي الرياضة وتبدأ القوة الناعمة؟

اليوجا اليوم حالة تستحق الدراسة لأنها تجمع عناصر تبدو منفصلة في البداية،ولا يعني هذا أن كل صورة لفنان على بساط اليوجا تحمل رسالة سياسية مخفية.
لكن المؤكد أن بعض الحكومات والمؤسسات تنظر إلى اليوجا بالفعل باعتبارها وسيلة للتواصل الثقافي الدولي.
وهذا وحده كافٍ لفتح ملف يستحق التحقيق.
فربما لا يكون السر في أن النجوم «يخفون شيئًا»..
بل في أن الجمهور لا يرى سوى الجزء الظاهر من صناعة أكبر بكثير.

والسؤال الذي يبقى بلا إجابة سهلة:

حين يصبح الفنان سفيرًا لممارسة ثقافية، وتصبح الممارسة صناعة عالمية، وتدخل المؤسسات والحكومات على خط الترويج.. هل ما زلنا أمام رياضة فقط؟ أم أمام واحدة من أكثر أدوات التأثير الثقافي نعومة في العالم؟

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير