همزة وصل -
القاهرة:مريم عوض
في وقت أصبحت فيه الضجة الإعلامية أحيانًا تسبق العمل الفني، وأصبحت الأرقام والتريندات تتصدر المشهد على حساب القيمة والإحساس، تختار الفنانة سيمون أن تسلك طريقًا مختلفًا، وأن تترك أعمالها تتحدث عنها بعيدًا عن صخب المنافسة وملاحقة الأضواء، لتقدم أغنيتها الجديدة «لامش ممكن» بمناسبة عيد الحب، في عودة تحمل الكثير من الدلالات الفنية والإنسانية، وتعيد طرح سؤال مهم: هل يحتاج الفنان الحقيقي إلى ضجيج مستمر حتى يثبت حضوره، أم أن الموهبة الصادقة قادرة على الوصول بطريقتها الخاصة؟
«لامش ممكن» ليست مجرد أغنية جديدة تضاف إلى قائمة إصدارات الموسم، بل هي محاولة لاستعادة مساحة مختلفة من الغناء، مساحة تقوم على الإحساس والاختيار الفني والرهان على ذائقة الجمهور، بعيدًا عن الوصفات الجاهزة التي باتت تسيطر على جانب كبير من صناعة الموسيقى. فسيمون تمتلك شخصية فنية لا يمكن اختزالها في لون واحد أو مرحلة زمنية بعينها، واستمرارها في تقديم أعمال جديدة يعكس رغبة في الحفاظ على علاقتها بالفن بوصفه شغفًا متجددًا، لا مجرد سباق لإثبات الوجود.
ويحمل العمل تعاونًا لافتًا على مستوى فريقه، إذ تأتي الكلمات بتوقيع الشاعر عنتر هلال، بينما يتولى ناصر المزداوي مهمة اللحن والتوزيع، في عودة حميدة تضيف إلى الأغنية قيمة خاصة، خصوصًا أن اجتماع أسماء تمتلك تجاربها وبصمتها الفنية يفتح الباب أمام مساحة من التنوع الموسيقي. ويتولى إسلام زُهني التسجيل، ومحمد حمدي طعيمة أعمال الميكس والماستر، فيما يشارك ميدو حويك في الجرافيكس، ليكتمل بذلك فريق عمل يسعى إلى تقديم الأغنية في صورتها الفنية والتقنية.
لكن النقطة الأكثر أهمية في تجربة سيمون لا تتعلق فقط بأسماء المشاركين أو مناسبة طرح الأغنية، وإنما في فلسفة حضورها نفسها؛ فالفنان لا يُقاس دائمًا بحجم الضجيج المحيط به، ولا بعدد الحملات الترويجية التي تسبق أعماله، بل بقدرته على الاحتفاظ بهويته الفنية وتقديم ما يشبهه، حتى في ظل سوق موسيقية لا تمنح الاهتمام نفسه لكل التجارب. وهنا تبدو سيمون وكأنها تختار معركتها بهدوء، فلا تدخل في منافسة مفتعلة، ولا تجعل من الحضور اليومي على منصات التواصل شرطًا لاستمرارها، وإنما تترك مساحة لأغنيتها كي تخوض اختبارها الطبيعي أمام الجمهور.
ومن زاوية نقدية، فإن الحكم على «لامش ممكن» لا ينبغي أن يتوقف عند الحنين إلى اسم سيمون أو الاحتفاء بعودتها، فالأسماء التي صنعت تاريخًا فنيًا تستحق أن تُقيَّم أعمالها الجديدة بمعايير فنية حقيقية، لا بمجرد رصيدها السابق. فالجمهور لا يبحث فقط عن استعادة ذكريات جميلة، بل ينتظر أيضًا أن يجد في كل إصدار جديد سببًا مقنعًا للاستماع، وأن يشعر بأن الفنان لا يكرر نفسه، وإنما يضيف فصلًا جديدًا إلى تجربته. وهذه هي المساحة التي ستحددها الأغنية من خلال تفاعل المستمعين معها وقدرتها على البقاء بعد لحظة طرحها الأولى.
واللافت أن سيمون تفتح باب الحوار مع جمهورها من خلال دعوتهم إلى قراءة تعليقاتهم عبر موقع يوتيوب، وهي خطوة تعكس اهتمامًا بردود الفعل المباشرة، بعيدًا عن الاكتفاء بالأرقام المجردة أو الانطباعات المصطنعة. فالتعليق الذي يكتبه مستمع تأثر بكلمة أو لحن أو أداء قد يكون أكثر دلالة من آلاف المشاهدات العابرة، لأن العلاقة الحقيقية بين الفنان وجمهوره لا تُبنى على المشاهدة وحدها، وإنما على الأثر الذي يتركه العمل في الوجدان.
إن نجاح سيمون بعيدًا عن الضجة يستحق التوقف أمامه، ليس باعتباره حكمًا نهائيًا على نجاح الأغنية جماهيريًا، وإنما باعتباره نموذجًا لفنانة لا تزال حاضرة في المشهد، وتملك الرغبة في التجديد والتواصل مع جمهورها دون أن تتخلى عن خصوصيتها. ففي زمن أصبح فيه الصخب وسيلة لجذب الانتباه، تظل هناك قيمة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن يصنع الفنان عملًا يحمل اسمه وروحه، ثم يمنح الجمهور حرية اكتشافه والحكم عليه.
«لامش ممكن» تأتي في عيد الحب، لكن رسالتها الأوسع تتجاوز المناسبة؛ إنها تذكير بأن الفن لا يحتاج دائمًا إلى معركة إعلانية كي يصل، وأن بعض الأسماء تملك رصيدًا من الحضور يجعل عودتها حدثًا يستحق الانتباه، حتى عندما تختار أن تتحدث بصوت هادئ.
سيمون لا تحتاج إلى مطاردة الضجيج كي تظل حاضرة.. فالفنان الذي يمتلك هوية يعرف أن الاستمرارية ليست في كثرة الظهور، وإنما في القدرة على العودة بعمل جديد يفتح بابًا آخر للحوار مع الجمهور.



