همزة وصل -
على بعد خطوات من الكعبة المشرفة، يتدفّق ماء ارتبط اسمه بالإيمان واليقين منذ آلاف السنين، هناك يقف بئر زمزم شاهداً على معجزة بدأت بنداء أمٍّ تبحث عن قطرة ماء لطفلها الرضيع، فتحوّل القلق إلى يقين، والعطش إلى نبع لا ينضب.
تجسّد قصة ماء زمزم معنى التوكّل الصادق على الله، وتختصر مشهدا من أعظم مشاهد الرحمة الإلهية التي تجدد حضورها عبر العصور، منه شرب الأنبياء، وبه ارتوت أفئدة الملايين من الحجاج والمعتمرين، وظل ماؤه المبارك يتدفق بلا انقطاع، متحدّيا الزمن وتعاقب الأجيال. إنه الماء الذي اقترن بالدعاء والشفاء، وبقي عنوانا للبركة في أقدس بقاع الأرض.
يُعدّ بئر زمزم من أعظم المعالم الدينية في العالم الإسلامي، وواحدا من أقدم الآبار التي ما زالت تتدفق بالماء حتى اليوم. يرتبط زمزم بقصة إيمانية خالدة بدأت حين ترك نبي الله إبراهيم زوجته هاجر وابنهما إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، تنفيذًا لأمر الله. ومع نفاد الماء والزاد، أخذت السيدة هاجر تسعى بين الصفا والمروة بحثا عن غوث، حتى فجّر الله الماء من تحت قدم إسماعيل، فكان ظهور زمزم معجزة ورحمة إلهية خالدة.
وتقول هيئة المساحة الجيولوجية السعودية إن بئر زمزم تبعد حوالي 20 مترا عن الكعبة المشرفة في اتجاه الشرق، وتغذيها ثلاث جهات رئيسة، إحداها من جهة شمال الغرب، والثانية من جهة الشرق، والثالثة من جهة الجنوب، ويعد الموقع الجغرافي لبئر زمزم المباركة من المعجزات، لكونه في منطقة مباركة بجوار البيت الحرام، ويعد أخفض نقطة في منطقة الحرم المكي الشريف داخل حوض وادي إبراهيم الذي وصفه المولى عز وجل بأنه وادٍ غير ذي زرع.
يتميز ماء زمزم بصفائه ونقائه، فلا لون له ولا رائحة، وقد أثبتت التحاليل الحديثة سلامته للاستهلاك البشري، إذ إن نسب العناصر الثقيلة فيه كالزرنيخ والرصاص والكادميوم والسيلينيوم تقع ضمن الحدود الآمنة، بل أقل بكثير من المستويات الضارة. كما يحتوي على نسبة مرتفعة من بعض المعادن مثل الصوديوم، إضافة إلى مركبات تسهم في الحفاظ على نقائه. ولذلك ظل عبر القرون مقصدا للملايين من الحجاج والمعتمرين الذين يحرصون على الشرب منه والتزود به.
وقد وردت في فضل زمزم أحاديث نبوية شريفة، منها قول النبي صى الله عليه وسلم : «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم»، وقوله: «ماء زمزم لما شرب له»، في إشارة إلى بركته وارتباطه بالنية والدعاء. ولهذا ارتبط شربه بالتضرع إلى الله وطلب الشفاء والبركة.
أما تسمية "زمزم"، فقيل إنها مأخوذة من زمزمة الماء أي صوته، وقيل لأن السيدة هاجر كانت تقول "زمّي زمّي" أي اجتمعي، عندما بدأت تحوط الماء بيديها خشية أن يتبدد. كما ذكرت بعض الروايات أن الاسم ارتبط بزمزمة الخيل عند شربها. وتعددت أسماء زمزم عبر التاريخ، ومنها: طيبة، وبرة، ومباركة، وسيدة المياه، وكافية، وعافية، وكلها تعكس مكانته الروحية في قلوب المؤمنين.
وتذكر المصادر أن إسماعيل عليه السلام قدم إلى مكة قرابة عام 1910 قبل الميلاد، أي أن قصة زمزم تعود إلى ما يقارب أربعة آلاف عام. ومع تعاقب العصور وازدياد أعداد السكان حول الكعبة المشرفة، مرّت زمزم بفترات اندثرت فيها معالمها حتى كادت تُنسى، إلى أن أعيد اكتشافها في الجاهلية على يد عبد المطلب بن هاشم بعد رؤيا رآها في المنام، فقام بحفر البئر من جديد وأعاد سقاية الحجاج منها.
واستمرت مهمة السقاية في بني هاشم، فتولاها بعد عبد المطلب ابنه العباس رضي الله عنه. وعند فتح مكة، أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر السقاية في أهلها، فقال: «إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة فإني قد أمضيتهما لأهلهما»، تأكيدًا لحقهم فيها. وفي حجة الوداع، شرب النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم وتوضأ منه، وقال لبني عبد المطلب: «انزعوا، فلولا أن تغلبوا عليها لنزعت معكم»، في إشارة إلى حرصه على عدم مزاحمتهم في حقهم.
ومع تطور المسجد الحرام عبر العصور، أُقيمت قباب وأحواض مخصصة لماء زمزم، وكان يُحفظ في قلال خاصة ليبرد ويُسقى للحجاج. لكن مع توسعات الحرم وإعادة تنظيمه، أزيلت هذه المعالم القديمة ونُظّم توزيع الماء بطرق حديثة تضمن سهولة الوصول إليه ونظافته.
وهكذا يبقى بئر زمزم شاهدا حيا على معجزة إيمانية خالدة، ومصدر بركة لا ينضب، ينهل منه الملايين كل عام، مستحضرين قصة التوكل والصبر التي بدأت في وادٍ مقفر، فصار قلب العالم الإسلامي النابض بالإيمان.



