اكتشاف علمي مذهل.. ماذا يعرف الغراب عن المستقبل؟

{title}
همزة وصل   -
توصلت أبحاث علمية حديثة إلى نتائج لافتة تُعيد رسم حدود الذكاء في عالم الحيوان، بعدما أظهرت أن طيور الغراب تمتلك قدرة متقدمة على التخطيط للمستقبل، واستخدام الأدوات، بل وتأجيل الإشباع من أجل مكاسب لاحقة، وهي سمات طالما اعتُبرت حكرا على البشر وبعض أنواع القردة.

ووفق دراسة نُشرت في مجلة Science المرموقة، وأجراها باحثون من جامعة لوند السويدية، تبيّن أن الغربان الكبيرة (Corvus corax) قادرة على توقّع أحداث مستقبلية لا تكون حاضرة أمامها، وتفصلها عنها ساعات زمنية، وهو ما يشير إلى مستوى عالٍ من الاستشراف الذهني.

وخلال سلسلة من التجارب المحكمة، درّب الباحثون الغربان على استخدام أداة حجرية لفتح صندوق يحتوي على مكافأة غذائية مفضلة، وبعد إزالة الصندوق، أُتيحت للطيور، عقب فترات زمنية تراوحت بين 15 دقيقة و17 ساعة، فرصة الاختيار بين عدة أشياء، لم يكن واحد منها فقط الأداة الصحيحة.

وأظهرت النتائج أن معظم الغربان اختارت الأداة المناسبة واحتفظت بها، ثم استخدمتها لاحقا بنجاح عند إعادة الصندوق، في سلوك يعكس تخطيطا واعيا لاستخدام مستقبلي.

وأكد العلماء أن هذا السلوك لا يمكن تفسيره بوصفه تخزينا غريزيا عشوائيا، كما تفعل بعض الحيوانات، بل يتطلب تمثيلا ذهنيا لهدف محدد في المستقبل، منفصل عن اللحظة الراهنة.

ولم تتوقف التجارب عند هذا الحد، إذ اختبر الباحثون أيضا قدرة الغربان على التخطيط الاجتماعي، فقد مُنحت الطيور رموزا يمكن مقايضتها لاحقا مقابل مكافآت غذائية أعلى قيمة.

وأظهرت النتائج أن عددا من الغربان فضّل الاحتفاظ بالرمز وتأجيل الحصول على مكافأة فورية أقل، في سلوك يماثل ما يفعله البشر عند الادخار لتحقيق منفعة مستقبلية أكبر.

اللافت أن بعض الغربان تفوقت، في ظروف معينة، على أنواع من القردة مثل الشمبانزي والبونوبو وإنسان الغاب في مهام المقايضة وتأجيل الإشباع، ما يعزز فرضية امتلاكها مرونة إدراكية متقدمة.

ويرى باحثون أن هذه النتائج تفتح بابا واسعا لإعادة النظر في مفهوم الذكاء، وتؤكد أن التخطيط واتخاذ القرار المعقّد لا يرتبطان بنوع واحد من الأدمغة أو بمسار تطوري بعينه، كما تشير إلى أن القدرة على التفكير في المستقبل قد تكون سمة أساسية للذكاء، بغض النظر عن كون الكائن إنسانا أو طائرا.

ومن المتوقع أن تدفع هذه النتائج الأبحاث المستقبلية إلى دراسة كيفية استخدام الغربان للتخطيط في البيئات الطبيعية، والكشف عن الدوائر العصبية التي تدعم هذه السلوكيات، فضلا عن البحث في امتلاك حيوانات أخرى غير الرئيسيات لقدرات مشابهة.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير