صدمة علمية.. هل وُلدت لتكون غنياً أم فقيراً؟

{title}
همزة وصل   -
كشفت دراسة حديثة طويلة الأمد على التوائم أن معدل الذكاء (IQ)، الذي يتأثر بدرجة كبيرة بالعوامل الوراثية، قد يكون مؤشراً مهماً على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفرد في مرحلة لاحقة من حياته، وتحديداً في أوائل العشرينات من العمر.
وبحسب الدراسة، فإن الذكاء لا يرتبط فقط بالقدرات المعرفية، بل يمتد تأثيره ليشمل فرص التعليم، ونوعية المهنة، ومستوى الدخل، وهو ما ينعكس لاحقاً على المكانة الاجتماعية والاقتصادية.
وتشير النتائج إلى أن العوامل الوراثية تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد سابقاً، في حين يبدو أن تأثير البيئة الأسرية أقل نسبياً، رغم أنه يظل عاملاً مهماً في تشكيل حياة الفرد.
وتوضح الدراسة أن المثل الشائع "وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب" لا يفسر وحده مسارات النجاح، إذ إن الخلفية الأسرية ليست العامل الحاسم الوحيد، بل إن الاستعدادات الجينية تلعب دوراً موازياً.
وقال عالم نفس الشخصية بيتر كاجونيوس، الذي نُشرت دراسته في مجلة Scientific Reports: "ما يُسمى بالملعقة الذهبية ليس كبيراً كما يظن البعض. حياتك المنزلية تتأثر أيضاً بجيناتك".
منهجية الدراسة: تتبع التوائم عبر الزمن
استندت الدراسة إلى بيانات مشروع "TwinLife" الألماني، وهو مشروع بحثي طويل الأمد يهدف إلى دراسة تأثير الجينات والبيئة على مسارات الحياة. وشملت العينة نحو 880 مشاركاً، موزعين بالتساوي بين توائم متماثلة وتوائم غير متماثلة.
ويعتمد تصميم دراسة التوائم على مقارنة نوعين من التوائم:
التوائم المتماثلة التي تتشارك 100% من الجينات.
التوائم غير المتماثلة التي تتشارك نحو 50% من الجينات فقط.
وبما أن المجموعتين نشأتا في بيئة منزلية متشابهة، فقد أتاح ذلك للباحثين فصل التأثيرات الوراثية عن البيئية بدرجة أكبر.
وأُجري اختبار معدل الذكاء للمشاركين عند سن 23 عاماً، بينما تم تقييم وضعهم الاجتماعي والاقتصادي عند سن 27 عاماً، بما يشمل مستوى التعليم، ونوع الوظيفة، والدخل، وتم اختيار هذه المرحلة العمرية باعتبارها فترة يبدأ فيها معظم الأفراد في تثبيت مساراتهم المهنية.
نتائج الدراسة: ارتباط قوي بين الذكاء والوضع الاجتماعي
أظهرت النتائج أن نحو 75% من الفروق في معدل الذكاء يمكن تفسيرها بعوامل وراثية، كما بيّنت أن العلاقة بين الذكاء والوضع الاجتماعي والاقتصادي تُفسَّر وراثياً بنسبة تتراوح بين 69% و98%، ما يشير إلى وجود ارتباط جيني قوي بين العاملين.
وقال كاجونيوس: "كنا نعرف ذلك مسبقاً، لكن هذه الدراسة توضح بشكل أكبر أننا نتشكل إلى حد كبير وفقاً لجيناتنا".
وتثير هذه النتائج تساؤلات حول فعالية السياسات الهادفة إلى تحقيق تكافؤ الفرص، مثل برامج دعم الطلاب من الأسر ذات الخلفيات التعليمية المحدودة، إذ قد يكون تأثيرها طويل الأمد أقل مما يُفترض في حال كانت الفروق الجينية تلعب دوراً محورياً.
وأضاف الباحث: "تُظهر الدراسة أننا نولد باستعدادات جينية مختلفة، ومن الصعب إحداث تغيير جذري طويل الأمد عبر السياسات العامة".
بين الحتمية والجدل العلمي: حدود التفسير
ورغم قوة النتائج، يحذر الباحثون من تفسيرها على أنها حتمية مطلقة لمسار الحياة، إذ يشيرون إلى أن التفاعل بين الجينات والبيئة لا يمكن فصله بالكامل في الواقع.
وقال كاجونيوس: "مهمتي كباحث هي وصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة، وإذا أردنا تغيير المجتمع فعلينا أولاً فهم آلياته الأساسية".
كما يرى أن النتائج قد تحمل جانباً إيجابياً من الناحية النفسية، إذ قد تخفف من شعور الآباء بالمسؤولية المفرطة تجاه نتائج أبنائهم، مع التأكيد على أن الدعم التربوي يظل مهماً رغم أن تأثيره طويل الأمد على النجاح الاجتماعي والاقتصادي قد يكون محدوداً نسبياً.
وبالنسبة للشباب، قد تدعم هذه النتائج فكرة التركيز على الاهتمامات والمهارات الفردية بدلاً من السعي الحصري وراء المكانة الاجتماعية.
قيود الدراسة
أقرّ الباحثون بعدة قيود منهجية، أبرزها عدم أخذ معدل ذكاء الوالدين أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي في الاعتبار، كما أن الدراسات من هذا النوع تواجه صعوبة في قياس التفاعل المعقد بين الجينات والبيئة.
وأشار الفريق إلى أن التقدير القائل بأن 75% من الذكاء وراثي قد يتأثر بعوامل التفاعل بين الجينات والبيئة، بما قد يصل إلى نحو 15 نقطة مئوية، ما يعني أن الأرقام يجب تفسيرها بحذر ضمن السياق العلمي.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير