همزة وصل -
كشفت بردية متفحمة محفوظة داخل مكتبة بودليان التابعة لجامعة أكسفورد في إنجلترا، عن محتوياتها بعد أن ظلت لسنوات طويلة يُعتقد أن قراءتها مستحيلة دون إتلافها، غير أن تقنيات الذكاء الاصطناعي مكّنت الباحثين أخيراً من الوصول إلى محتواها دون الحاجة إلى فتحها، حيث تم رصد نصوص داخل الوثيقة التي ظلّت عصية على القراءة لأكثر من 2000 عام.
وتمكّن الذكاء الاصطناعي من فك شفرة هذه البردية المتفحمة عبر تقنيات تصوير متقدمة وتحليل رقمي دقيق دون الحاجة إلى فتحها أو لمسها، . في البداية، استخدم الباحثون مصادر تصوير عالية الطاقة مثل الأشعة السينية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لبنية البردية الداخلية، ثم جرى إدخال هذه البيانات إلى أنظمة ذكاء اصطناعي مدرّبة على تمييز أنماط الحبر والكتابة داخل المواد المتفحمة. ومن خلال ما يُعرف بـ«فك التغليف الرقمي»، تمكنت الخوارزميات من فصل طبقات البردي افتراضياً وإبراز الأحرف المخفية تدريجياً. وبعد ذلك، قام الخبراء بمراجعة النتائج وتحسينها يدوياً، مما سمح بإعادة بناء أجزاء من النص المقروء لأول مرة منذ أكثر من 2000 عام، وفتح نافذة جديدة على محتوى كان يُعدّ مفقوداً إلى الأبد.
وظلّت هذه القطعة الأثرية القديمة مغلقة ومحفوظة لسنوات طويلة، بسبب هشاشتها الشديدة. ووفقًا لبيان صادر عن جامعة أكسفورد ، فإن أي محاولة لفتحها كانت ستؤدي إلى مسح الحبر بالكامل، مما ترك الباحثين دون أي طريقة آمنة لدراستها.
ويقدّم هذا العمل أسلوباً جديداً للتعامل مع النصوص القديمة شديدة الهشاشة التي يتعذر لمسها أو فتحها. وبالنسبة للمؤرخين، يمثّل ذلك تحولاً جذرياً بعد عقود من المحاولات غير الناجحة. إذ يتيح الدمج بين التصوير المتقدم وتحليل الذكاء الاصطناعي للعلماء اليوم فحص قطع أثرية كانت تُعد سابقاً خارج نطاق الوصول.
وتُعد هذه القطعة الأثرية شديدة الهشاشة إلى درجة تمنع فتحها، وهي جزء من مخطوطات هركولانيوم التي دُفنت عام 79 ميلادي. وعند اكتشافها، كانت تبدو أشبه بكتل فحم أكثر من كونها كتباً، وكان أي محاولة لفتحها ستؤدي إلى تدميرها بالكامل.
كما ورد في البيان، ظلت إحدى هذه المخطوطات محفوظة في مكتبة بودليان لسنوات دون أي وسيلة حقيقية لقراءتها. جرب الباحثون طرقًا مختلفة، لكن دون جدوى. لفترة طويلة، كان الأمر أشبه بطريق مسدود. كانت البردية موجودة، لكن محتواها ظل بعيد المنال.
الذكاء الاصطناعي يعيد بناء النصوص
كانت نقطة التحول في عام 2024 عندما جرب الباحثون شيئا مختلفا باستخدام مصدر الضوء الماسي . يرسل هذا الجهاز أشعة سينية عالية الطاقة عبر الأجسام لرسم خريطة لبنيتها الداخلية دون إتلافها.
"فك التغليف الرقمي"
بحسب المصدر نفسه، مكّنت هذه التقنية من إعادة بناء وثيقة البردي افتراضياً والكشف عن أقسام كاملة من النص. وتُعرف هذه العملية غالباً باسم "فك التغليف الرقمي" ، وهي تعتمد كلياً على معالجة البيانات بدلاً من التفاعل المادي.
وأوضح المؤلفون: "يعمل الباحثون على تحسين الصورة بشكل أكبر باستخدام نهج تجزئة جديد، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تحسين تماسك ووضوح سطور النص المرئية حاليا، وربما الوصول إلى نهاية ورق البردي (الجزء الداخلي من المخطوطة المتفحمة) حيث يمكن الحفاظ على بيانات النشر التي تحمل عنوان العمل".
طبيعة الحبر
تُعدّ طبيعة الحبر من أبرز العوامل التي جعلت هذه المخطوطة فريدة، إذ لاحظ الباحثون أنه يظهر بوضوح أكبر في بعض الصور، وفق ما أشار إليه فريق جامعة أكسفورد، مما ساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي على تمييز الأحرف داخلها. وبعد ذلك، قام النظام بتحديد أجزاء من النص، والتي تولّى خبراء من "تحدي فيزوف" مراجعتها وتحليلها يدوياً.
وتُظهر الصور الناتجة عن فتح اللفافة افتراضياً أجزاء واسعة من البردية، بما في ذلك بعض أعمدة النص التي تحتوي على ما يقارب آخر 26 سطراً من كل عمود، بحسب ما ذكره الباحثون. وفي الوقت نفسه، يواصل علماء جامعة أكسفورد جهودهم لفهم محتوى النص وتفسيره، بينما يدعو مشروع "تحدي فيزوف" مزيداً من الباحثين للمشاركة في عملية فك رموز البردية بالكامل.
وأشار الدكتور برنت سيلز إلى أن النتائج واعدة، حتى وإن كان لا يزال هناك الكثير مما يجب اكتشافه.
وأضاف "نحن سعداء للغاية بنجاح تصوير هذه المخطوطة من مكتبات بودليان، ونشكر شركاءنا على دعمهم وتعاونهم. تحتوي هذه المخطوطة على نص قابل للاسترداد أكثر مما رأيناه من قبل في مخطوطة هركولانيوم ممسوحة ضوئياً."



