همزة وصل -
اثنان وثلاثون عاماً تفصل بين مونديال الولايات المتحدة عام 1994 ومونديال 2026، الذي تستضيفه بالشراكة مع كندا والمكسيك. لكن ما يفصلهما أكثر من مجرد فارق زمني. ثمة تقاطعات ومفارقات عميقة تتصل بتحوّلات أعمق في بنية النظام الدولي، وصورة أميركا أمام سكانها وأمام العالم، كما تتصل بالعلاقة بين السياسة والرياضة، وبين الوطنية والعولمة.
إذا كان مونديال 1994 جاء في ذروة «الزهو الأميركي» بمكاسب ما بعد الحرب الباردة وأفول «العدو السوفييتي» ومنظومته الأوروبية الشرقية، فإن مونديال 2026 يأتي في زمن يبدو فيه ذلك الزهو نفسه موضع اهتزاز.
مونديال 1994 جاء بعد ثلاث سنوات من تفكك الاتحاد السوفييتي، حيث خرجت الولايات المتحدة زعيمة لـ «عالم القطب الواحد»، والعولمة الليبرالية تتقدم بلا مقاومة، و«السوق الحرة» تُفتح و«الشمولية» -بالتعبير الغربي- تغادر من الباب ذاته، والإنترنت يبدأ بمغادرة المختبرات والدوائر المغلقة إلى الناس والهواء الطلق.
كرة القدم نفسها كانت «المنتج العالمي الأخير» في السوق الأميركية، ولم تكن على رأس قائمة الرياضات مثلما هي في دول أخرى أشد شغفاً باللعبة الأكثر شعبية في العالم.
أما مونديال 2026 فيأتي في لحظة معاكسة تقريباً؛ عالم متعدد الأقطاب، استقطاب داخلي في أميركا، نجاح روسيا في وراثة القوّة السوفييتية، صعود الصين، حرب أوكرانيا، والشكوك المتزايدة حول العولمة.
المثلث المنظّم
ثمة ما يقال عن المثلث المنظم لمونديال 2026 مقارنة بالانفراد الأميركي عام 1994. فبينما كانت أميركا تحتفل بمونديال 1994، كانت المكسيك على وشك انهيار مالي عُرف لاحقاً بأزمة «البيزو» في نهاية العام نفسه، بينما تأتي نسخة 2026 وسط اعتماد اقتصادي أميركي أكبر على المكسيك ضمن إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بعيداً عن الصين.
لقد تحوّلت المكسيك من كونها «حديقة خلفية اقتصادية» مرتبكة إلى شريك استراتيجي في معادلة أميركا الشمالية الجديدة. لذلك فإن المونديال المشترك يعكس واقعاً جيوسياسياً جديداً؛ فالدول الثلاث لم تعد مجرّد «جيران»، بل أصبحت كتلة اقتصادية وأمنية مترابطة في مواجهة التحولات العالمية، خصوصاً الصعود الصيني.
ثم إن مونديال 1994 أقيم بينما كانت واشنطن تدفع باتجاه اتفاقية «نافتا» لتكريس التكامل الاقتصادي مع كندا والمكسيك، في حين أن المونديال الحالي يأتي بعد سنوات من الحروب التجارية الأميركية ضد الشركاء، بما فيهم كندا والمكسيك في بعض المراحل.
والمفارقة أن الدول الثلاث التي تستضيف مونديال 2026 تبدو على الورق شريكة في احتفال قاري موحد، بينما تعيش سياسياً توتّرات متصاعدة أعادت إحياء لغة الهيمنة الأميركية والحدود والضغط على الجارين، إلى حد أن بعض الخطابات الشعبوية الأميركية بدت وكأنها تنظر إلى كندا والمكسيك باعتبارهما مجالاً تابعاً للنفوذ الأميركي أكثر من كونهما شريكين كاملَي السيادة.
مدن تغيّرت
في الشكل والمضمون، تغيّرت صورة المدن. فمونديال 1994 كان احتفالاً بالملاعب العملاقة والسيارات والضواحي الواسعة في أميركا الواثقة من نموذجها الحضاري. أما مونديال 2026 فيقام في زمن المدن الذكية، والقلق الأمني، والمراقبة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتخوف من الهجمات السيبرانية.
الأمن في زمن مونديال 1994 كان يعني الشرطة والحواجز، أما في 2026 فهو يعني البيانات والخوارزميات والمراقبة الواسعة والاستشعار الفوري. كان ذلك آخر مونديال كبير يجري تنظيمه قبل هيمنة الإنترنت، بينما نسخة 2026 أول مونديال يدخل عصر الذكاء الاصطناعي الكامل؛ ترجمة فورية، محتوى شخصي لكل مشجع، تحليلات آنية، وربما جمهور يتابع المباريات عبر نظارات الواقع المعزّز أكثر مما يتابعها من المدرجات.
لقد شاهدنا على الهواء، وانبهر الملايين برؤية مدرب منتخب اليابان وهو يخاطب لاعبيه في الملعب من خلال لوحة يدون عليها تعليماته التكتيكية عبر رموز مشفّرة، في أسلوب يحدث لأول مرة في تاريخ المونديال.
يبدو الأمر كأن الفرق بين النسختين ليس فقط في كرة القدم، بل في إدارتها وتعريف «المشاهدة» نفسها. ولعل المفارقة الأعمق أن مونديال 1994 كان آخر بطولة كبرى قبل أن يعيد الإنترنت تشكيل الوعي الجماعي للبشر. يومها كان العالم يشاهد الحدث نفسه تقريباً، ويتلقى الصور والروايات ذاتها عبر قنوات محدودة. أما مونديال 2026 فسيقام في عالم الخوارزميات، حيث يعيش كل مشجع موندياله الخاص وفق ما تقترحه عليه المنصات الرقمية، وحيث لا تعود البطولة حدثاً موحداً بقدر ما تحوّلت إلى ملايين التجارب الفردية التي تسير في خطوط متوازية.
تضاد رمزي
على مستوى كرة القدم ذاتها، فثمة تضاد رمزي مثير، إذ أن نسخة 1994 كانت مرحلة محاولة أميركا «فهم» كرة القدم، بينما تبدو نسخة 2026 محاولة من كرة القدم لفهم أميركا. في التسعينيات كانت اللعبة غريبة نسبياً على المزاج الرياضي والشعبي في أميركا، أما اليوم فقد أصبحت جزءاً من السوق الأميركية الكبرى، وباتت تحتل مساحة أوسع في المزاج الشعبي.
كانت أميركا في 1994 تحاول تسويق كرة القدم لشعبها، أما في 2026 فالعالم كله سيُسوَّق على المسرح الأميركي؛ الإعلانات، الموسيقى، البث العملاق، البيانات، وتقنيات المشاهدة الجديدة. الولايات المتحدة لم تعد مجرّد مستضيفة للحدث بالشراكة مع جارتين، إنما تعيد صياغة الطريقة التي يُستهلك بها الحدث نفسه.
ويمكن إضافة مفارقة تاريخية أخيرة: مونديال 1994 جاء في عصر التفاؤل بنهاية التاريخ الصراعي على لإيقاع الحرب الباردة، بينما يأتي مونديال 2026 في عصر عودة الحروب، وتصاعد النزعات القومية والتيارات الشعبوية، وأزمات الهوية. كأن النسختين تشكلان منحنى تاريخياً بين عالم توهّم أنه وصل إلى شاطئ الاستقرار، وعالم اكتشف أن التاريخ يدور حول فوّهة بركان يصعب توقّع حجم اندفاعات الحمم.



