همزة وصل -
رغم تعطل مضيق هرمز فعليا لأكثر من ثلاثة أشهر وما نتج عنه من فقدان يفوق 10 ملايين برميل يوميا من إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط، لم تشهد الأسواق قفزة سعرية حادة كما كان متوقعا، حيث بقيت أسعار النفط دون مستوى 130 دولاراً للبرميل، بعيدا عن تقديرات سابقة رجّحت وصولها إلى 150 ثم 200 أو حتى 300 دولار.
وبحسب تقرير "بلومبرغ"، فإن قدرة السوق العالمية على التكيف عبر مجموعة من "آليات التعويض" كانت العامل الرئيسي في كبح الأسعار، رغم حجم الصدمة غير المسبوق.
ساهمت عدة عوامل في الحد من ارتفاع أسعار النفط رغم اضطرابات الإمدادات، أبرزها لجوء الدول الكبرى إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لامتصاص الصدمات وتخفيف أي نقص مؤقت في المعروض، و ارتفاع صادرات الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، ما جعلها أكبر مصدر بديل في السوق العالمية، كما نجحت بعض الدول المنتجة، في تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة عبر تطوير وتوسعة خطوط أنابيب التصدير البديلة.
في المقابل، لعب تراجع الطلب الصيني دورا حاسما في موازنة النقص، حيث خفضت الصين وارداتها بنحو 40% خلال مايو مقارنة بالمتوسط السنوي، ما عادل ما بين ثلث إلى خمس الإمدادات المفقودة نتيجة الحرب، كما انخفض تشغيل المصافي الصينية إلى نحو 13 مليون برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ جائحة كوفيد-19، مقابل 14.8 مليون برميل العام الماضي.
إلى جانب ذلك، ساهمت إجراءات طارئة في تهدئة السوق، أبرزها السحب المنسق من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية عالميا، وإعادة توجيه صادرات الخليج عبر مسارات بديلة.
كما استمرت بعض الشحنات في عبور مضيق هرمز رغم التوترات، لكن بأعداد محدودة جدا، إذ تراجع عدد السفن اليومية من نحو 100 سفينة قبل الأزمة إلى ما بين سفينتين وثلاث فقط يوميا، وفق بيانات تتبع الشحن، مع استمرار اضطرابات الملاحة والتشويش على أنظمة GPS.
وفي الوقت نفسه، استفادت الأسواق من الطفرة في إنتاج النفط الأمريكي الصخري، ما حوّل الولايات المتحدة إلى مصدر صافٍ للنفط ومنحها قدرة أكبر على التدخل في توازن السوق، بما في ذلك استخدام واسع للاحتياطي الاستراتيجي، حيث تم سحب نحو 172 مليون برميل لدعم الإمدادات العالمية، وجرى تصدير جزء كبير منها إلى أوروبا والأسواق الخارجية.
كما ساعدت بعض السياسات الأمريكية، مثل تخفيف بعض القيود على النفط الروسي، في زيادة تدفقات الخام إلى الهند التي رفعت وارداتها من روسيا بنسبة 63% لتصل إلى 1.76 مليون برميل يوميا في مايو.
ورغم هذا الاستقرار النسبي، فإن المخزونات العالمية تتراجع بوتيرة قياسية، ما يثير مخاوف من هشاشة السوق أمام أي صدمات جديدة، فقد حذر خبراء من أن سحب المخزونات يجري بسرعة كبيرة، مع وصول الاحتياطي الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، وضغط متزايد على مراكز التخزين مثل كوشينغ في أوكلاهوما.
ويرى محللون أن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيكون عودة الطلب الصيني، إذ إن تباطؤ استهلاك بكين نتيجة النمو الاقتصادي الأضعف، والتحول نحو الفحم في الصناعات الكيميائية، والانتشار السريع للسيارات الكهربائية، كلها عوامل قللت من الطلب العالمي على النفط.
وبحسب مراقبين، فإن التوازن الحالي في سوق النفط هش للغاية، إذ إن استمرار انخفاض المخزونات مع أي اضطراب إضافي في الإمدادات أو عودة قوية للطلب قد يدفع الأسعار إلى ارتفاعات حادة.
وفي ظل غياب تسوية سياسية دائمة للأزمة، تبقى الأسواق معرضة لتقلبات قوية، رغم قدرتها المؤقتة على امتصاص واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ سوق الطاقة العالمي.



