انفراد خاص | سعد رمضان يكشف سر المرحلة الجديدة.. من طبرجا إلى مصر وقطر وحالة فنية لا تعرف الهدوء

{title}
همزة وصل   -


كتبت /مريم عوض 

يبدو أن الفنان اللبناني سعد رمضان يعيش خلال الفترة الحالية واحدة من أكثر مراحل نشاطه الفني حيوية، فبين حضور جماهيري لافت في مهرجان طبرجا-كفرياسين، واستعداد للقاء جمهوره في قطر ثم مصر، يتحرك سعد بخطوات متتالية تعكس حالة من الحضور المتواصل، وكأن المرحلة الحالية بالنسبة إليه ليست مجرد مجموعة حفلات متفرقة، وإنما مساحة لإعادة تأكيد العلاقة التي صنعها مع الجمهور على مدار السنوات الماضية، وفي الوقت نفسه فتح أبواب جديدة أمام تجربته الغنائية. فنجاح الحفل الجماهيري لا ينتهي بمجرد إسدال الستار، وإنما يصبح في كثير من الأحيان مؤشرًا على أن الفنان لا يزال قادرًا على خلق تلك اللحظة الخاصة التي تجمعه بجمهوره، وهي لحظة يصعب اختلاقها مهما تطورت وسائل الدعاية والترويج.
وفي طبرجا-كفرياسين، لم يكن حضور سعد رمضان مجرد ظهور فني عابر، إذ عاش الجمهور معه سهرة تفاعلية ردد خلالها محبوه كلمات أغنياته القديمة والجديدة، لتظهر واحدة من أهم نقاط قوته؛ وهي قدرته على بناء علاقة وجدانية مع الجمهور لا تعتمد فقط على الأغنية الجديدة أو نجاح لحظي، وإنما تمتد إلى رصيد من الذكريات التي يحملها المستمع معه. وعندما يردد الجمهور كلمات الأغاني مع الفنان، تصبح المسألة أكبر من مجرد أداء موسيقي، لأن الأغنية تكون قد خرجت من ملكية صاحبها وأصبحت جزءًا من ذاكرة من يسمعها.
وهنا تحديدًا يمكن فهم أهمية المرحلة التي يعيشها سعد رمضان؛ فالفنان الذي يمتلك جمهورًا يشاركه الغناء في الحفل لا يحتاج إلى أن يبدأ العلاقة من الصفر في كل مرة. لديه رصيد عاطفي جاهز، لكنه في الوقت نفسه مطالب بأن يحافظ عليه وألا يتحول إلى أسير له. وهذه المعادلة ليست سهلة، لأن الاعتماد الكامل على الماضي قد يمنح الفنان أمانًا مؤقتًا، لكنه قد يضعف قدرته على صناعة المستقبل، بينما محاولة تجاهل الماضي تمامًا قد تعني خسارة جزء من الجمهور الذي صنع مكانته. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام سعد هو أن يجعل القديم سندًا للجديد، لا بديلًا عنه.

سعد رمضان.. النجاح عندما يتحول إلى حركة

المشهد اللافت في الفترة الحالية أن نشاط سعد لا يتوقف عند حدود لبنان، فبعد حفله في طبرجا يستعد للقاء جمهوره في قطر يوم 1 أكتوبر، قبل أن ينتقل إلى مصر لإحياء حفله في سوما باي بالغردقة يوم 18 أكتوبر. وهذه المحطات تحمل دلالة أبعد من كونها مواعيد فنية متتالية، لأنها تعكس رغبة في إبقاء العلاقة مع الجمهور مفتوحة عبر أكثر من مساحة، وعدم حصر الحضور في نطاق جغرافي واحد.
والانتقال بين جمهور وآخر يضع الفنان أمام اختبار مختلف في كل مرة؛ فالجمهور اللبناني لديه ذاكرته الخاصة مع سعد، والجمهور العربي في دول أخرى يستقبل تجربته من زاوية مختلفة، أما الجمهور المصري تحديدًا فيملك ذائقة موسيقية شديدة التنوع ويمثل محطة مهمة لأي فنان عربي يريد توسيع دائرة انتشاره. ومن هنا فإن لقاء سعد بجمهوره في مصر لا يمكن التعامل معه فقط باعتباره حفلة جديدة، وإنما كإحدى المحطات التي يمكن أن تفتح مساحة أكبر أمام تجربته الغنائية داخل سوق فني له خصوصيته وثقله.

تصريح سعد.. ما وراء الكلمات

وعندما يتحدث سعد رمضان عن هذه المرحلة، فإن التصريح في حد ذاته يمكن قراءته بعيدًا عن الكلمات المباشرة. الفنان عندما يكون أمام أكثر من محطة فنية في وقت متقارب، ويستعد في الوقت نفسه لطرح أغنية جديدة، فإنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن المرحلة الحالية بالنسبة إليه قائمة على الحركة لا الانتظار.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في مسيرة أي فنان؛ لأن بعض المراحل تحتاج إلى التمهل وإعادة ترتيب الأوراق، بينما هناك مراحل أخرى يكون أفضل قرار فيها هو الاستمرار في الحركة واختبار الأفكار أمام الجمهور. ويبدو أن سعد يتعامل مع الفترة الحالية بمنطق مختلف؛ لا ينتظر أن تصنع له الأغنية الجديدة وحدها حالة، ولا يعتمد على الحفلات وحدها، وإنما يفتح أكثر من مسار في الوقت نفسه.
والأهم أن هذا النشاط لا يبدو منفصلًا عن بعضه البعض؛ فالحفلات تمنح الأغنية فرصة للوصول إلى الجمهور، والأغنية الجديدة تمنح الحفلات مادة جديدة، والجمهور الذي يكتشف الجديد يعود إلى القديم، وهكذا تتكون دائرة فنية متكاملة بدل أن يكون كل حدث منفصلًا عن الآخر.

«جمالك عربي» لم تكن مجرد محطة وانتهت

ومن اللافت أن سعد رمضان يستعد لطرح أغنية جديدة من كلمات وألحان نبيل خوري وتوزيع عمر صباغ، وهما نفس الفريق الذي تعاون معه في أغنيته الأخيرة «جمالك عربي»، التي حققت نجاحًا لافتًا.
وهنا تظهر نقطة فنية تستحق التوقف؛ فالعودة إلى الفريق نفسه بعد تجربة ناجحة ليست بالضرورة تكرارًا، وإنما قد تكون محاولة للبناء على كيمياء أثبتت قدرتها على إنتاج عمل وصل إلى الجمهور. الفنان عندما يجد تركيبة فنية يفهم أفرادها طريقته وملامحه واحتياجاته، يصبح التعاون التالي بمثابة مرحلة جديدة فوق أرضية تم اختبارها بالفعل.
لكن التحدي الحقيقي في هذه الحالة هو ألا يتحول النجاح السابق إلى قيد. فالجمهور الذي أحب «جمالك عربي» سيقارن تلقائيًا بين التجربتين، حتى لو لم يطلب الفنان منه ذلك. ولذلك فإن الأغنية الجديدة ستكون أمام اختبار مزدوج؛ هل تستطيع الحفاظ على الروح التي أحبها الجمهور، وفي الوقت نفسه تقديم شيء مختلف يكشف عن تطور سعد وليس مجرد إعادة إنتاج لما سبق؟
وهنا تكمن صعوبة العمل الثاني بعد النجاح؛ لأن الأول يملك عنصر المفاجأة، بينما الثاني يدخل إلى الساحة محملًا بالتوقعات.

لماذا تبدو المرحلة الحالية مختلفة؟

لأن سعد رمضان لا يتحرك في اتجاه واحد. هناك حفلات، وجمهور، وأغنية جديدة، وانتقال بين أكثر من دولة، وهذا التنوع يمنح المرحلة الحالية إيقاعًا مختلفًا. الفنان عندما يعمل على مسار واحد قد ينجح فيه، لكن عندما يستطيع أن يخلق حركة متوازنة بين المسرح والإنتاج الغنائي، فإنه يحافظ على حضوره من أكثر من باب.
والأهم أن الحفلات تظل الاختبار الأكثر صراحة للفنان. في الاستوديو يمكن إعادة التسجيل، ويمكن تعديل التفاصيل، لكن على المسرح لا توجد فرصة لإخفاء العلاقة الحقيقية مع الجمهور. عندما يغني الجمهور مع الفنان، فهذا يعني أن الأغنية تجاوزت حدود التسجيل وأصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية.
وهذا تحديدًا ما ظهر في طبرجا-كفرياسين، حيث لم يكن التفاعل مجرد تصفيق عابر، وإنما مشاركة في الغناء وحضور واضح من المحبين، وهو ما يعكس أن سعد يمتلك رصيدًا جماهيريًا يسمح له بالانتقال إلى المرحلة التالية دون أن يبدأ من نقطة الصفر.

مصر ليست مجرد محطة في الجدول

الاستعداد للقاء الجمهور المصري في سوما باي بالغردقة يوم 18 أكتوبر يفتح زاوية أخرى في المشهد. مصر بالنسبة إلى الفنان العربي ليست مجرد مكان لإقامة حفلة، وإنما سوق موسيقية لها تأثيرها الخاص، وجمهور شديد الحساسية تجاه الأغنية والصوت والحضور.
ولهذا فإن وجود سعد في مصر خلال هذه المرحلة يمكن أن يُقرأ باعتباره جزءًا من توسيع دائرة التواصل، خصوصًا أن الحفل يأتي ضمن سلسلة من اللقاءات خارج لبنان. والفنان الذي يختار أن يواصل الظهور أمام جماهير عربية مختلفة يراهن عمليًا على أن تجربته قادرة على تجاوز الحدود المحلية.
والأهم أن سعد لا يدخل هذه المحطة منفردًا عن تاريخه؛ هو يصل إليها ومعه أغنيات يعرفها الجمهور، وحالة فنية جديدة يعمل على بنائها، وأغنية مقبلة يمكن أن تصبح جزءًا من المرحلة المقبلة.

بين الأغنية والحفل.. صناعة الحضور

في زمن أصبحت فيه الأغنية قادرة على الانتشار خلال ساعات ثم الاختفاء بالسرعة نفسها، تبدو الحفلات أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ لأنها تمنح الأغنية حياة مختلفة. المستمع الذي يسمع أغنية عبر الهاتف يختبرها بشكل فردي، أما عندما يسمعها وسط آلاف الأشخاص ويرددها معهم، فإنها تتحول إلى تجربة جماعية.
وهذا ما يجعل النشاط المسرحي لسعد رمضان عنصرًا مهمًا في المرحلة الحالية. فالفنان لا يكتفي بأن يطرح أغنية ثم ينتظر رد فعل الجمهور، وإنما يظل على اتصال مباشر معه. وهذا الاتصال يمنحه فرصة لمعرفة ما الذي يعيش مع الناس فعلًا، وما الذي يتحول إلى مجرد إصدار جديد يمر ثم يختفي.
ومن هنا يمكن أن تكون الحفلات بمثابة مرآة حقيقية لأي فنان؛ لأنها تكشف الأغنيات التي ما زالت حية، وتكشف كذلك مدى قدرة الفنان على تحويل صوته من تسجيل إلى حضور.

سعد رمضان أمام تحدي التجديد

لكن النشاط وحده لا يكفي. وهذه ربما أهم نقطة في المشهد كله. كثرة الحفلات والإصدارات قد تصنع حضورًا مستمرًا، لكنها لا تضمن بالضرورة التطور. الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يتحرك كثيرًا دون أن يدور في المكان نفسه.
ولهذا فإن الأغنية الجديدة المنتظرة تمثل أهمية خاصة في هذه المرحلة؛ لأنها ستكون فرصة لمعرفة كيف سيبني سعد على النجاح السابق دون أن يكرر نفسه. التعاون مجددًا مع نبيل خوري وعمر صباغ يمنحه أرضية مألوفة، لكن الرهان الحقيقي سيكون على الأغنية نفسها وعلى قدرتها في تقديم إضافة جديدة إلى تجربته.
وهنا تصبح المسألة ليست «هل ستنجح الأغنية؟» فقط، وإنما «ماذا ستضيف إلى سعد؟». لأن النجاح الجماهيري لحظة، أما الإضافة الفنية فهي التي تصنع المسيرة.

من طبرجا إلى قطر ثم مصر.. خريطة نشاط تحمل رسالة

المشهد في مجمله يقول إن سعد رمضان يعيش فترة لا يبدو فيها مستعدًا للوقوف في مكان واحد. من طبرجا-كفرياسين إلى قطر ثم مصر، وبين هذه المحطات أغنية جديدة قيد التحضير، تتحرك تجربته في أكثر من اتجاه، وهو ما يجعل الفترة المقبلة مفتوحة على احتمالات فنية متعددة.
وربما يكون أهم ما في هذه المرحلة أن سعد لا يحاول اختراع صورة جديدة لنفسه من الصفر، وإنما يعمل على تطوير صورة فنية موجودة بالفعل. وهذا أكثر ذكاءً من التغيير من أجل التغيير؛ لأن الفنان الذي يعرف نقاط قوته يستطيع أن يوسعها، بدل أن يهدمها بحثًا عن هوية مؤقتة.

وفي النهاية.. سعد رمضان يختار الحركة

في النهاية، يمكن القول إن حالة سعد رمضان الحالية لا تختصر في حفلة ناجحة أو موعد جديد أو أغنية منتظرة، وإنما في حالة كاملة من النشاط الفني المتتابع. نجاح طبرجا منح المشهد دفعة جماهيرية واضحة، والاستعداد للقاء الجمهور في قطر ومصر يوسع دائرة هذا الحضور، بينما تأتي الأغنية الجديدة لتضعه أمام اختبار آخر يتعلق بقدرته على البناء على نجاح «جمالك عربي» دون الوقوع في فخ التكرار.
وهنا ربما يكون تصريح سعد عن هذه المرحلة أكثر من مجرد حديث عن حفلات قادمة؛ فهو انعكاس لفنان يريد أن يظل حاضرًا في المشهد من خلال العمل نفسه، لا من خلال الضجيج المحيط به.
سعد رمضان اليوم لا يبدو وكأنه يطارد لحظة نجاح واحدة، بل يتحرك لصناعة سلسلة من اللحظات؛ وكل محطة جديدة تمنحه فرصة ليثبت أن الفنان الحقيقي لا يعيش على ما حققه بالأمس، وإنما يستخدم نجاح الأمس ليصنع به خطوة جديدة نحو الغد.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير