هل نستطيع تطعيم أطفالنا ضد الإرهاب والتطرف؟

{title}
الدكتور علي السعد
همزة وصل   -
كما نُحصّن أطفالنا بالتطعيم ضد الأمراض، هل نستطيع أن نحصّن عقولهم منذ الصغر ضد التطرف والإرهاب؟
بصفتي طبيباً، أدرك جيداً أهمية المناعة في حماية الإنسان من الأمراض، وأعرف الدور التاريخي الكبير الذي أدته برامج التطعيم في حماية المجتمعات.
فقد استطاعت البشرية، من خلال جهود علمية وصحية منظمة وتعاون دولي واسع، تحقيق إنجازات استثنائية؛ إذ تم القضاء على الجدري عالمياً، واقترب العالم من القضاء على شلل الأطفال، كما تراجعت معدلات الإصابة والوفيات والإعاقات الناتجة عن أمراض عديدة، مثل الحصبة والدفتيريا والسعال الديكي والكزاز والتهاب الكبد الفيروسي وغيرها.
هذه الإنجازات لم تتحقق بانتظار إصابة الإنسان ثم البحث عن العلاج، بل من خلال الاستثمار في الوقاية، وبناء المناعة منذ الطفولة، والاستمرار في تعزيزها وفق برامج علمية منظمة.
ومن هنا خطرت لي فكرة تستحق التأمل والنقاش:
إذا كنا نستطيع بناء مناعة جسدية لدى أطفالنا ضد الأمراض، فلماذا لا نعمل على بناء مناعة فكرية لديهم ضد التطرف والإرهاب منذ الصغر؟
لماذا ننتظر حتى ينحرف الشاب فكرياً، أو يقع في شباك جماعة متطرفة، أو يتحول إلى أداة للعنف والتدمير، ثم نبدأ بمحاولة علاجه، بينما كان بالإمكان أن نبدأ بتحصينه منذ طفولته؟
أعتقد أن الوقت قد حان للتفكير في برنامج وطني للتحصين الفكري ضد التطرف والإرهاب، يبدأ مع الطفل ويستمر معه طوال مراحل حياته.
أولاً: الأسرة… الجرعة التأسيسية
في الأسرة يتعلم الطفل أولى دروس الحياة؛ احترام الآخرين، والرحمة، والتسامح، وقبول الاختلاف، والتمييز بين الحق والباطل.
يجب أن يتعلم أن الاختلاف في الدين أو الفكر أو الرأي لا يبرر الكراهية أو الاعتداء على الآخرين، وأن الإنسان لا يفقد كرامته وحقوقه بسبب اختلافه عنا.
ثانياً: المدرسة… بناء المناعة الأولى
لا يكفي أن نحفظ الأطفال عبارات عن التسامح ونبذ العنف، بل يجب أن نعلمهم كيف يفكرون ويناقشون، وكيف يميزون بين الحقيقة والشائعة، وبين الرأي والتضليل، وبين الاختلاف والتحريض والكراهية.
وأن يفهموا أن العنف لا يصبح مشروعاً لمجرد أن أحداً غلّفه بشعارات دينية أو وطنية أو إنسانية.
ثالثاً: الجامعة… الجرعة الفكرية المعمقة
الجامعة محطة بالغة الأهمية، ففيها تتسع دائرة الاستقلال الفكري والاجتماعي، ويواجه الشباب أفكاراً واتجاهات مختلفة، وقد يصبح بعضهم عرضة للاستقطاب والتجنيد، خاصة في ظل الإحباط أو الشعور بالظلم أو البحث عن الهوية والانتماء.
وهنا يجب أن يكون للجامعات دور أساسي في تعزيز التفكير النقدي، وفتح مساحات الحوار، وتعريف الطلبة بأساليب الجماعات المتطرفة في الاستقطاب والتجنيد، وتمكينهم من مناقشة الأفكار المتشددة وتفنيدها بالعلم والحجة.
فالجامعة يجب أن تكون بيئة لصناعة العقل المستقل، لا مجرد مكان للحصول على الشهادة.
رابعاً: مؤسسات الدولة والمجتمع… مسؤولية مشتركة
هذه المسؤولية لا تقع على مؤسسة واحدة، ولا يمكن أن تنجح جهودها إذا عملت كل جهة بمعزل عن الأخرى.
وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الأوقاف، ووزارة الثقافة، ووزارة الشباب، والمؤسسات الإعلامية والأمنية، ومؤسسات المجتمع المدني، لكل منها دور ومسؤولية وفق اختصاصها.
كما أن العدالة وتكافؤ الفرص، واحترام كرامة الإنسان، وتعزيز الانتماء والمواطنة، وتوفير فرص المشاركة والعمل، كلها عناصر أساسية في بناء مجتمع أقل عرضة للتطرف والاستقطاب.
ولا بد من الاهتمام بالفضاء الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل من أهم الوسائل التي تستخدمها الجماعات المتطرفة لنشر أفكارها واستقطاب الشباب.
خامساً: ماذا نفعل بمن وقع بالفعل في التطرف؟
هنا ننتقل من الوقاية إلى العلاج.
كما أن هناك من يصاب بمرض رغم تلقيه التطعيم، فإن بناء المناعة الفكرية لا يعني أننا سنمنع كل حالات التطرف بصورة مطلقة.
لكن السؤال المهم: هل نتخلى عن الشخص الذي انحرف، أم نحاول إنقاذه؟
أعتقد أن علينا أن نمنح العلاج وإعادة التأهيل فرصة حقيقية، من خلال برامج متخصصة تشمل التأهيل الفكري والنفسي والاجتماعي، ومراجعة الأفكار المتطرفة، ومعالجة العوامل التي ساهمت في الاستقطاب، ثم إعادة دمج من تثبت قابليته لذلك في المجتمع.
أما من يشكل خطراً حقيقياً على الآخرين، أو يشارك في أعمال إرهابية أو تحريضية، فلا بد من اتخاذ الإجراءات الأمنية والقانونية اللازمة لحماية المجتمع.
وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم العزل الطبي؛ فبعض الأمراض تستدعي عزل المصاب لمنع انتقال العدوى، لكن العزل لا يعني بالضرورة التخلي عن العلاج.
وكذلك فإن تقييد حرية الشخص الذي يشكل خطراً قد يكون ضرورة لحماية الآخرين، لكنه لا ينبغي أن يعني إغلاق باب الإصلاح وإعادة التأهيل أمامه.
فالهدف أن نحمي المجتمع، وأن ننقذ من يمكن إنقاذه، وألا نسمح بانتقال التطرف إلى الآخرين.
سادساً: المناعة الوطنية تحتاج إلى تعاون دولي
من الدروس المهمة التي علمتنا إياها مكافحة الأمراض السارية أن نجاح الوقاية لا يتحقق بجهود دولة واحدة.
فالأمراض المعدية لا تعترف بالحدود، وقد تنتقل من قارة إلى أخرى، ولذلك كان التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات وتنسيق برامج التطعيم والترصد الوبائي من أهم أسباب النجاح في الحد من انتشارها.
والإرهاب كذلك لا يعترف بالحدود الجغرافية؛ فقد تنشأ فكرته في بلد، ويُستقطب أتباعه في بلد آخر، ويُموّل من مكان ثالث، وتُنفذ أعماله في مكان رابع.
لذلك فإن بناء المناعة الفكرية للمجتمعات يجب ألا يقتصر على البرامج الوطنية، بل يحتاج أيضاً إلى تعاون دولي حقيقي في تبادل المعلومات والخبرات، ومكافحة التجنيد والتطرف الرقمي وخطاب الكراهية، ومعالجة الظروف التي تساعد على انتشاره.
فكما أن حماية صحة الإنسان مسؤولية تتجاوز حدود الدول، فإن حماية العقول والأجيال من التطرف مسؤولية إنسانية مشتركة.
سابعاً: نحتاج إلى قيادات تؤمن بالوقاية قبل المواجهة
إن نجاح أي مشروع للتحصين الفكري لا يتوقف على جودة الأفكار والبرامج فقط، بل يحتاج إلى قيادات تؤمن بهذه الفكرة وتتبناها، وتعمل على تحويلها إلى سياسات وممارسات مستدامة.
فالتقدم الذي حققته البشرية في مكافحة الأمراض لم يكن وليد اكتشاف اللقاحات والمضادات الحيوية وحده، بل احتاج إلى علماء ورواد آمنوا بالعلم، وأطباء وممرضين ومقدمي رعاية صحية تبنوا برامج الوقاية والعلاج، وقيادات صحية وسياسية أدركت أهمية الاستثمار في صحة الإنسان، وحولت الاكتشافات العلمية إلى برامج وطنية وعالمية.
وكذلك فإن بناء مناعة فكرية لدى الأجيال يحتاج إلى قيادات سياسية وتربوية ودينية وأكاديمية وإعلامية وأمنية تؤمن بأن الوقاية من التطرف تبدأ قبل ظهور المشكلة، وليس بعد وقوع العمل الإرهابي.
نحتاج إلى قيادات لا تكتفي بردود الفعل، ولا تتعامل مع التطرف باعتباره ملفاً أمنياً مؤقتاً، بل تراه قضية وطنية وإنسانية تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد واستثمار مستمر في الإنسان والعقل والتعليم والقيم.
أخيراً…
إن مكافحة الإرهاب لا تبدأ عند وقوع العملية الإرهابية، ولا تنتهي بالقبض على مرتكبيها.
إنها تبدأ من تربية الطفل، وتتواصل في المدرسة والجامعة، وتمتد إلى الأسرة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والأمنية، وصولاً إلى برامج العلاج وإعادة التأهيل والتعاون الدولي.
نحن ننفق الكثير على العلاج بعد وقوع الأمراض، ونعرف جميعاً أهمية التطعيم والوقاية قبل الإصابة.
فلماذا لا نستثمر بالقدر نفسه في بناء مناعة فكرية تحمي أجيالنا من التطرف والكراهية والعنف؟
قد لا نستطيع أن نمنع كل إنسان من الانحراف، لكننا نستطيع أن نقلل فرص انحرافه، وأن نكتشف الخطر مبكراً، وأن نعالج من يمكن علاجه، وأن نحمي المجتمع ممن يهدده.
إنها ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مشروع وطني تشارك فيه جميع مؤسسات الدولة، كلٌّ من موقعه ومسؤوليته، ومشروع إنساني يحتاج إلى تعاون الدول وإيمان قياداتها بأهمية الوقاية.
كما استثمرت البشرية في حماية أجساد أجيالها من الأمراض، آن الأوان أن تستثمر بالقدر نفسه في حماية عقول أجيالها من التطرف والكراهية والإرهاب.
فالوقاية من الإرهاب تبدأ قبل أن يصبح الإرهاب واقعاً، وأفضل وقت لبناء المناعة الفكرية هو قبل أن يتعرض العقل لعدوى التطرف. 
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير