همزة وصل -
ما كدنا نلمّلم جراحنا، وما كادت دموعنا تجفّ على شهداء كنيسة حمود، حتى جاءنا الخبر كالصاعقة:" استشهد العريف جواد علي خلف السلايطة".
كأن الوطن لم يلتقط أنفاسه بعد. كأن الحزن أقسم أن لا يغادرنا إلا حزناً أكبر. فما انتهينا من وداعٍ، حتى بدأنا وداعاً آخر. وما مسحنا دمعةً حتى هَلت دمعةً أخرى.
جواد لم يكن مجرد رجل أمن.
كان شاباً في ربيع العمر،. خرج من بيته كعادته، ببوريته الشامخة، وبقلبٍ يحمل حب الوطن، ولم يكن يعلم أن ذلك اليوم سيكون آخر عهد له بأهله، وأول عهد له بالخلود، وفي وضح النهار، غدرت به يدٌ آثمة، يدٌ لا تعرف للوطن حرمة، ولا للإنسان قيمة. طعنته غدراً، وهو أعزل إلا من شرفه وواجبه. فسقط جواد، لكنه لم يسقط وحده. سقط معه كل قلبٍ أردني، وارتفع معه كل رأسٍ أردني فخراً.
أيّ وطنٍ هذا الذي يُنجب جواداً تلو جواد؟
أيّ أرضٍ هذه التي كلما رويت بدمٍ، أنبتت ألف بطل؟
يا جواد، قطرات دمك لم تذهب هدراً. لقد روت تراب الوطن، وستبقى بوريتك شامخة على جباه النشامى، رمزاً للتضحية والوفاء والشرف.
نحن لا نودّعك وحدك يا جواد. نحن نودّع فيك كل الشهداء. لنقول للعالم: إن الأردن واحد، مسلمُوه ومسيحيوه، جندُه ومدنيوه، كلهم على قلب رجلٍ واحد، وكلهم فداءٌ لهذا التراب.
قال والدك بصوتٍ يخنقه الحزن لكن قال بكل فخر: "جواد فداء لهذا الوطن". وما أصدقها من كلمة. فكلنا فداءٌ لهذا الوطن. كلنا جواد. كلنا مشاريع شهادةٍ إذا نادى الوطن.
نم قرير العين يا جواد. فالوطن الذي حميته بدمك، لن ينساك. والأهل الذين تركتهم، سيبقون يرفعون رأسهم بك ما حيوا. والبورية التي سقطت من رأسك، لم تسقط من قلوبنا.
رحم الله جواد السلايطة، ورحم الله كل من قدّم روحه ليبقى الأردن آمناً مطمئناً.
"وإنا لله وإنا إليه راجعون"



