هل الأمن السيبراني ملف سيادي مؤجل أم خطر وطني صامت؟

{title}
الدكتور بسام روبين
همزة وصل   -
مع نهاية عام وبداية آخر، يصبح من الضروري التوقف أمام ملف الأمن السيبراني بقدر من الصراحة والمسؤولية ، ففي الأردن، لم يعد مقبولا الهروب من الحقيقة أو الإكتفاء بالمعالجات السطحية، إذ إن الخلل في هذا الملف لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يمتد ليطال البعد الإداري والسياساتي بالدرجة الأولى .
فالخطر الحقيقي لا يأتي فقط من قراصنة الخارج، بل من تراكم تقصير داخلي تتحمل مسؤوليته جهات محددة ما تزال تتعامل مع الأمن السيبراني كملف ثانوي، لا كأولوية سيادية عابرة للوزارات والمؤسسات.
وأولى حلقات التقصير تبدأ من المنظومة التنفيذية، التي لم تنجح حتى اليوم في تحويل الأمن السيبراني إلى مشروع دولة متكامل، بقيادة موحدة وصلاحيات نافذة، بل أبقته ملفا مجزأ، موزعا بين مؤسسات متعددة بلا قرار مركزي حاسم، ولا مساءلة واضحة عند الإخفاق.
وتتحمل الوزارات والمؤسسات الخدمية والإقتصادية جانبا من المسؤولية، حين إندفعت نحو الرقمنة والتحول الإلكتروني بحثا عن الشكل والصورة، دون إستكمال متطلبات الحماية، فرقمنة بلا أمن سيبراني ليست إنجازا، بل مقامرة خطرة بأموال الدولة وبيانات المواطنين وثقة المجتمع.
أما في القطاع التقني العام، فالإشكالية ليست نقص الكفاءات، بل سوء إدارتها. فالكوادر الوطنية المؤهلة ما تزال تهمش أو تستنزف إداريا، أو تدفع نحو الهجرة، فيما تدار مواقع حساسة بعقلية الواسطة لا الكفاءة، وبالتعيين لا بالإختصاص.
ولا يمكن إعفاء السلطة التشريعية من المسؤولية، إذ ما تزال التشريعات تتأخر عن سرعة التهديد، وتبقى الرقابة البرلمانية على الجاهزية السيبرانية للمؤسسات محدودة، وكأن الأمن الرقمي ترف لا يستحق نقاشا جادا أو مساءلة حقيقية.
كما يتحمل القطاع الخاص الحيوي، من بنوك وإتصالات وطاقة ونقل، جزءا من التقصير حين يكتفي بالحد الأدنى من الإمتثال الشكلي، وينتج تقارير أنيقة، بينما تبقى الثغرات قائمة، ويغيب الإستعداد الحقيقي لهجمات معقدة لا تعترف بالشعارات.
والأخطر من كل ما سبق هو غياب عقيدة وطنية شاملة للأمن السيبراني ،
فلا قيادة موحدة بصلاحيات واضحة،
ولا مركز قرار سيبراني قادر على المحاسبة،
ولا تدريبات وطنية تحاكي سيناريوهات التعطيل والهجوم،
ولا ثقافة عامة تجعل المواطن شريكا في الدفاع لا ثغرة مفتوحة.
وفي دولة كالأردن، محاطة بالأزمات، ومكشوفة سياسيا وإقتصاديا، ومعتمدة على الإستقرار، فإن أي إختراق واسع النطاق يشكل تهديدا مباشرا للأمن الوطني. فتعطيل مصرف، او شل مطار، او إختراق شبكة طاقة، أو تسريب بيانات سيادية فكل ذلك لا يمكن إن حدث إعتباره خللا تقنيا، بل فشلا أمنيا مكتمل الأركان.
وختاما، المطلوب ليس خططا تحفظ في الأدراج، ولا مؤتمرات علاقات عامة ، والمطلوب قرار دولة بإعلان
قيادة سيبرانية موحدة،
وتشريعات رادعة،
ومحاسبة بلا مجاملة،
مع تمكين حقيقي للكفاءات الوطنية،
وتدريب وطني شامل.
غير ذلك، سنبقى نرقمن الواجهة، ونترك خاصرة الأردن الرقمية مكشوفة.
فالأمن السيبراني إما أن يكون درع الدولة، أو بوابتها الأخطر.
حفظ الله الأردن
عميد اردني متقاعد
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير