المؤثرون والركود الفكري.. صعود الصورة وانحسار المعنى

{title}
كه يلان محمد
همزة وصل   -
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية، يتقدّم المؤثرون إلى واجهة المشهد العام، بينما تتراجع الأسئلة الفكرية العميقة إلى الظل. بين سطوة الصورة وهيمنة الخوارزميات، يبرز جدلٌ ما انفك يتعاظم حول طبيعة التأثير وحدوده، وحول ما إذا كان اتساع الحضور الرقمي يعكس حيوية فكرية حقيقية أم يخفي ركودًا يتخفّى خلف بريق الانتشار.
الثوراتُ التي يشهدها المجالُ التقني تقوّضُ أنساقًا ثقافيةً تقليديةً وتنشأُ مكانها بدائلُ جديدة. وهذا متوقَّعٌ مع أي انتقالٍ من مرحلةٍ إلى أخرى، فالبيئاتُ الاجتماعيةُ والثقافيةُ والفكريةُ مهما حاولت حمايةَ مُسلّماتها من موجاتٍ متعاقبةٍ لن تُفلحَ في ذلك، لأنَّ متطلباتِ الواقعِ تفرضُ كلمتها في نهاية المطاف.
غير أنَّ ذلك لا يعني التوقيعَ بالموافقة على الظواهر الناشبة من التحولات، بل إنَّ كثيرًا من الحالات التي ترافق الانتقال نحو مراحل جديدة تستدعي المناقشةَ والبحث، ولا يصحُّ السكوتُ عنها.
فئة المؤثرين والفكر

دنى غالي: فئة المؤثرين تعتمد أساسا التناول السطحي والإبهار الصوري
اللافتُ في السنوات الأخيرة هو صعودُ فئة "المؤثرين” في المشهد، وذلك نتيجةً لهيمنة المُعطيات الرقمية وقوة العالم الافتراضي. وبالطبع فإنَّ مصطلح "المؤثر” وليدُ حاضنةٍ رقميةٍ بدأ يزحزحُ المكان بغيره من الألفاظ والمفردات مثل "المثقف” أو "المفكر” أو "المُراقب”. وفي الواقع لا يوجد ما يثير الغضاضة في كل هذه الأمور، لأنَّ المحكَّ في ما يعنيه المصطلح وليس في اشتقاقه اللغوي. إذًا لا ضير في ظهور "المؤثرين” والأدوار التي تُسنَدُ إليهم، سواء على الصعيد الثقافي أو الفني أو بقية المجالات الأخرى.
لكن ما يدعو إلى التأمل والتفكير فيه أنَّ ازدياد عدد "المؤثرين” واتساع نطاق متابعيهم لا يبدو سوى ظاهرةٍ استعراضية، وما يقوله الفاعلون وينشرونه على المنصات الافتراضية بشأن معضلة التخلف والجمود الحضاري والقيم السلبية لا يفكُّ عقدة الحلقات المستعصية ولا يكشف أسباب الأزمات، الأمر الذي يؤكد بأنَّ الكلام المرسل والاجترار شيء، والتسلسل المنطقي في التناول شيءٌ آخر. أكثر من ذلك، فإنَّ هذه الآلية في المعالجة لا يُسفر عنها التراكمُ في المعرفة بقدر ما تبعثر الأوراق وتقطع الطريق على المساعي الجادة لترميم الخرائط.
لا شكَّ أنَّ هذا الموضوع متشعّبٌ ومتداخلٌ مع جملةٍ من الملفات، لذلك يجب النظر إليه من زوايا متعددة. وهنا تُفرَدُ المساحةُ لأصواتٍ يقدّم كلٌّ منها، على حدة، الرأيَ عن ظاهرة "المؤثرين”.
بدايةً ترفض الكاتبة والروائية العراقية دنى غالي تعميم فكرة الركود، ساعيةً إلى ضبط وتعيين الموضوع في إطاره العربي، لأنَّ واقع الفكر العالمي لا يعاني من السكونية حسب تشخيصها. وتشير في ذات السياق إلى أنَّ ما يحدث حاليًا هو أنَّ الخطاب العام أو الحوار المفتوح، وما يسمى بـ”public discourse” بالضرورة البنّاء، انحسر وينحسر، لأنَّ ما يحدده هو الخوارزمية في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بينما تفوز به فئة المؤثرين التي تعتمد التناول السطحي والإبهار الصوري على حساب فرص طرح الأفكار الجادة الجديدة ومناقشة المعنى والجدوى.
تضيف غالي لـ”العرب” أنَّ الفكر لا يندثر بالطبع، طالما يوجد الإنسان، فهناك فلاسفة وباحثون وعلماء وفنانون وكتّاب. من الممكن للوحةٍ فنيةٍ أن تطرح فكرًا يعادل ما يطرحه المُنظّر، لذا يجب ألا يساور الإنسانَ الشكُّ في ظهوره المفاجئ في أي لحظة. هناك فكرٌ في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والمجالات الإبداعية المختلفة. لكن مشهد سباق ما يحقق الربح (وهو المحرّك الأساسي) يبدو شرسًا للغاية في تنافسه، وهو للأسف السبب في غالبية ما يسهل وصوله إلينا، وفي النهاية السبب في التخريب الذي يحدث.
تؤكد دنى غالي أنها لا تعارض تيار التغيير أو التطور الذي يشملنا باسم الأصالة والنفس المحافظ، لكن حالة التشويش التي أظهرتها هذه الوسائل تستدعي العمل على قلب المعادلة.
السطحية الرقمية

عزة طويل: ليس هناك ارتباط بين تضخّم عدد المؤثرين والتأثير الفكري
من جانبها ترى الروائية اللبنانية عزة طويل في حديثها لـ”العرب” أنَّ مفهوم التأثير متشابك على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يكفي أن يكون لديك عددٌ من المتابعين لتُصنَّف مؤثرًا، ومن هنا هذا الانطباع بتراكم أعداد المؤثرين. واقع وسائل التواصل مبنيٌّ على الصورة، وعلى جهدٍ كبيرٍ لزيادة المتابعات بشتى الطرق الممكنة، ومن بينها شراء المتابعين والإعلانات والمشاركات الوهمية للتأثير على الخوارزميات… في عالم الصورة يتأثر الناس بالصورة أيضًا، ويبدأ تأثير "كرة الثلج” الذي يُضخّم الحضور والانتشار شكلًا لا فعلًا.
بصراحة، تردف طويل في إطار مناقشتها للموضوع موضحةً أنَّ الجميع يتابعون السوشيال ميديا في لحظات الملل، ويزداد مللهم أكثر خلال عملية التصفح والتمرير، ليبقى في أذهانهم فقط المحتوى الذي يعنيهم فعلًا، أو ذاك الذي يدهشهم أو يضحكهم مثلًا. يُتابع كل مستخدم لإنستغرام ما معدّله مئات الصفحات، وثمة عددٌ كبير جدًا من المستخدمين الذين يتابعون آلاف الحسابات، لكن الصفحات المؤثرة فعليًا فيهم، على مستوى الفكر أو الثقافة العامة أو حتى الطب، تبقى أقلَّ من عدد أصابع اليد الواحدة. لذا لا تجد مؤلفة "عيون بيروت” ارتباطًا بين تضخّم عدد المؤثرين على المنصات والتأثير الفكري الملموس والبنّاء.
وقبل أن تختم مشاركتها تشير عزة طويل إلى أنَّ التأثير قد يبدو سهلًا بالنسبة إلى الجميع، إذ يمكن لأي شخص أن يكون مؤثرًا، ولكن الأهم هو المدى الذي تصل إليه ترددات تأثيرك، وفي أي مجال يكون ذلك التأثير.
وبدورها تصف الروائية نسرين بلوط هذا الزمن بأنَّه مهووسٌ بالمظهر السطحي والتلهي الفكري الفارغ والمشعوذ، إذ يحصر اهتمام الإنسان بمتابعة وجوه المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وهم لا يملكون في جعبتهم غير دعاباتٍ سمجةٍ وتوصياتٍ جوفاء، هذا عدا عن إيماءاتٍ مشحونةٍ للغرائز.
تعود بلوط مقتبسةً قولة: "الظاهر غالبًا يخدع، أما الحقيقة فباقية”، مردفةً أنَّ هذا الكلام ينطبق على واقع العصر الارتكاسي في القيم الملهمة. لا تنكر محدثتنا أنَّ المؤثرين قد نجحوا في اختراق صفوف شرائح واسعة من المتابعين، لكن يجب السؤال عن حصيلة كل ما يبثونه من القنوات المتعددة: ماذا أضيف إلى عقل المشاهد وفهم المتابع؟

نسرين بلوط: هذا الزمن مهووسٌ بالمظهر السطحي والتلهي الفكري الفارغ والمشعوذ
تعتقد صاحبة "الخطيئة” أنَّ الإبانة عن قيمة الكثرة الرقمية والتنبيه بأنها تنبع من الفراغ الوقتي لا من الوعي الوجداني، وأنَّ الركود الفكري سببه ما يُلهي العقل عن تحصيل مجامع الإدراك، قد تكون في ذلك محاولةٌ لاستعادة الوعي، وبالتالي كي يعود العقل جزءًا من مواهب الإنسان الخلّاقة، لأنَّ كثرة التورّط في مدى التأثير الرقمي التواصلي ملهاةٌ للفكر السليم، وانحدارٌ جماعيٌّ إلى هوّة اللاوعي النفسي الذي يستمد زاده من التعبئة الحسية المؤقتة لا المعرفية الجامحة.
ولهذا يجب تحديث هذا النظام المخلّ بصفحاتٍ فكريةٍ وثقافيةٍ وفلسفيةٍ، وأيضًا تاريخيةٍ، تشحذ ذاكرة التاريخ وتعزّزها، وتعيد الإنسان إلى كينونة وجوده، بدلًا من أن تضيع في فراغات الجمود القاتل والانفعالات الظرفية التي تخلق مؤثراتٍ عابرة، تترك الذهن في زاوية ضيقة بدل أن تفتح عليه أبواب السمو النفسي والمعرفي. وهذه التوعية الثقافية الشاملة يجب أن تصبح منهاجًا للدول التي تعرف قيمة العصور التراثية، والأهم قيمة الإنسان الوجودية.
صفوةُ ما يمكن قوله عن غزو المحتويات المتنوعة للعقول وخلط الحابل بالنابل على المنصات الرقمية أنَّ النشاطات الفكرية والمناقشات الثقافية لم تعد قوةً فاعلةً ومؤثرة، بل اندمجت على هذه الوسائط بأمواجٍ من الصور والإعلانات وغيرها من الملهيات، إلى أن غدت كل فكرة، بغض النظر عن مستوى جودتها، تبدو عابرةً ولا يكون لها صدى، بل يمحو أثرها ما يعقبها من المنشورات والتغريدات.
وليس الغرض من كل ما ورد آنفًا رفض الإحداثيات أو رمي الطفل مع الغسيل، لأنَّ تلك المنصات الرقمية لها فوائد، لعل أبرزها الكشف عن الحجم الحقيقي لبعض الأسماء الثقافية التي تُعدُّ رموزًا، كما قدمت حقيقةً وهي أنَّ الوسط الفكري والثقافي ليس معافًى من الأمراض ولعبة المصالح.
في هذا الزمن المتواري بوشاح المظاهر السطحية والتلهي الفكري السخيف الذي يحصر انغماسه اليومي بوجوه مؤثرين في مواقع التواصل الرقمي، يستخدمون دعاباتٍ فاترة أو إشاراتِ وجهٍ جاذبةٍ للبصر بوسائل خطفٍ جامحٍ وسرعةٍ بديهيةٍ سحريةٍ، يحضرنا قول أفلاطون الذي أشار إلى أنَّ "الظاهر غالبًا يخدع، أما الحقيقة فهي باقية”، وهذا يُفصح عن نظريةٍ ارتكاسيةٍ تجزم فورًا بأنَّ الجوهر المتأصل لا يمكن أن يُقاس بالسطح الزائف ولو كان براقًا ووضّاءً. وهذا ما يرتسم ثيمًا في سيطرة المؤثرين على التنبه السمعي والبصري للجمهور مقابل الركود الفكري والإنساني.
كه يلان محمد ..كاتب عراقي

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير