همزة وصل -
ما يجري في فنزويلا ليس أزمة سياسية ولا خلافا إقتصاديا عابرا، بل عملية إبادة سياسية ممنهجة تنفذ بدم بارد لأن دولة ما تجرأت وقالت لا للولايات المتحدة ، فهي حرب بلا دبابات، لكنها أشد فتكا ، حرب تدار عبر الحصار، والتجويع، وخنق العملة، وتفكيك الدولة من الداخل، وتكريس الخيانة ، في إنتهاك صارخ لكل ما تبقى من قانون دولي أو أخلاق سياسية. غير أن الجريمة لا ترتكب بيد الجلاد وحده، بل تكتمل بصمت قوى كبرى تمتلك القدرة على الردع، وتختار التفرج ، فحين تصمت موسكو وبكين أمام سحق حليفٍ سيادي، يصبح الصمت نفسه شراكة كاملة في الجريمة لا تقل فداحة عن فعل الحصار ذاته.
والولايات المتحدة لا تخفي دورها، ولا تشعر بحاجة إلى أقنعة ،فهي تمارس عقابها بوقاحة القوة، وبمنطق المنتصر الذي لا يخشى المحاسبة. فالعقوبات ليست أداة ضغط سياسي، بل سلاح تدمير شامل بطيء يستخدم لكسر إرادة الشعوب، وتحويل الجوع إلى سياسة، والمعاناة الإنسانية إلى وسيلة إبتزاز علنية.
ففنزويلا لم تستهدف لأنها دولة فاشلة فحسب، بل لأنها شكلت سابقة خطيرة كدولة تحاول حماية قرارها السيادي خارج المظلة الغربية ، ولهذا، كان لا بد من تحويل شعبها إلى ورقة ضغط، وإقتصادها إلى ساحة إستنزاف، ودولتها إلى نموذج عقابي يراد له أن يردع كل من يفكر في الخروج عن الطاعة الأمريكية.
ورغم وضوح المشهد، وقفت موسكو وبكين موقف المتفرج العاجز المتواطئ ، تراقبان سقوط دولة حليفة، وتكتفيان بخطاب بارد لا يغير ميزان القوى، ولا يربك المعتدي، ولا يرفع كلفة الجريمة. فالبيانات الدبلوماسية لا توقف حصارا ولا تحمي زعيما ، ولا تطعم جائعا، ولا تحمي سيادة، بل تضيف إلى المأساة بعدا أخطر ، فقد شرعنة العدوان الأمريكي بالصمت ،
وهذا الصمت لم يعد يفهم على أنه نتاج حسابات دقيقة أو أولويات مرحلية، بل أصبح خيانة سياسية صريحة لفكرة التوازن الدولي. فمن يملك القدرة على الردع ويرفض إستخدامها، ومن يرفع شعار السيادة ثم يتخلى عنه عندما يصبح الدفاع عنه مكلفا، يتحول من قوة وازنة إلى شاهد زور ، ومن مشروع بديل إلى أداة صامتة في تكريس الهيمنة التي يدعي معارضتها.
والأخطر أن هذا السلوك لا يسقط فنزويلا وحدها، بل يسقط معها مصداقية العالم المتعدد الأقطاب بأكمله. فما قيمة هذا العالم إذا كانت قوتاه الأكبر عاجزتين أو غير راغبتين في حماية حلفائهما؟ وأي ثقة يمكن أن تبنيها الدول النامية على تحالفات تتبخر عند أول إختبار حقيقي؟
وما يحدث في فنزويلا ليس حدثا معزولا، بل رسالة تهديد مفتوحة لكل دولة تفكر بالخروج عن الإرادة الأمريكية. فالصمت لا يوقف العدوان، بل يشرعنه، ويمنح المعتدي يقينا قاتلا بأن كلفة الجريمة أقل من كلفة الرد عليها، وهذه أخطر معادلة في النظام الدولي اليوم ، وختاما فإن
فنزويلا لم تسحق بقوة الهيمنة الأمريكية وحدها، بل بصمت من كان يفترض بهم كسر هذه الهيمنة. والتاريخ لا يدون أسماء الجلادين فقط، بل يسجل أيضا أسماء أولئك الذين شاهدوا الجريمة، وإمتلكوا القدرة على منعها، لكنهم إختاروا الصمت.
والصمت هنا ليس حيادا، بل إدانة مكتملة الأركان ،
إدانة تطيح بفنزويلا اليوم، وقد تطيح بباقي الحلفاء غدا ، وتعري زيف التعددية القطبية وتكشفها على حقيقتها ، وتضع حلفاء موسكو وبكين أمام حقيقة واحدة لا لبس فيها ، في عالم تدار فيه الجرائم الكبرى بشراكات صامتة، فلا مكان للسيادة الضعيفة، ولا حماية لمن يترك وحيدا عند ساعة الإختبار.



