القراءة.. شفاء من القلق

{title}
همزة وصل   -
لماذا نقرأ الكتب المتمردة؟ يتصدر هذا السؤال مقدمة كتاب علي حسين وعنوانه: «المتمردون» وهو يستعين بفرويد الذي يرى أن القراءة فعل من أفعال التعويض، أو كما يقول كامو: ممكن للقراءة أن تنقذنا من العبث، وكان الروائي ستندال يقول لرفاقه إن القراءة هي التي تجعله يحب الحياة، ووصف سارتر هذه الحالة في يومياته «الكلمات»: «كان يبدو طبيعياً لنا أن تنمو الكتب كما تنمو الأشجار في حديقة، لقد وجدنا في أنفسنا منذ الصغر، هواية القراءة، وأغرمنا جداً براسين وفلوبير».
كان مارسيل بروست يعاني الأمراض فمنذ أن كان في التاسعة من عمره أصيب بالربو، وراح المرض يزداد خطورة مع مرور السنين حتى إنه كتب في إحدى رسائله: «لأنني محكوم بلعنة تسيطر على أيام حياتي» ولهذا يقرر أن يواجه هذه اللعنة، ويتغلب عليها بالقراءة، وأن يرسم حياته من خلال الورق، ويصف بعض الذين زاروه في غرفته أن سريره كان يئن من ثقل الكتب والأوراق، والطاولة التي على يساره مملوءة أيضاً بأكوام من الكتب، حيث كان يؤمن بأن القراءة يجب أن تكون من أجل هدف معين: «لا لكي نمضي الوقت أو بدافع الفضول أو بسبب رغبة متثاقلة لمعرفة ما أحس به المؤلف».
لهذا يصر بروست على أن قراءة كتب الآخرين، تجعلنا نعرف ما نحس به، وما ينبغي أن ننميه في عقولنا، وبعد أكثر من خمسين عاماً على وفاة بروست يكتب رولان بارت أن «قراءة بروست نبهتني إلى أن القراءة كعملية مبدعة وكسيرورة حية هي أبعد ما تكون عن كونها مضيعة للوقت».
*جولة باريسية
يشير مؤلف هذا الكتاب إلى حالته، حين وقع بين يديه كتاب كامل زهيري «الغاضبون» ويتناول ما جاء في مقدمة الكتاب من أن صفحاته تقدم للقارئ أدب الاحتجاج أو الأدب الغاضب، فهو «أدب متململ، قلق، متفجر، متطاير شظايا» وفي الفصل الأول يأخذنا كامل زهيري في جولة مشياً على الأقدام نتفحص شوارع باريس الضاجة بالحركة، ونتطلع إلى المقاهي التي كان سارتر يقضي فيها أكثر يومه، ونذهب باتجاه السوربون التي خرج معظم العباقرة، حيث كان ميرلوبونتي يلقي دروسه، وفي مكان آخر كان ميشيل فوكو يستمع إلى توجيهات أستاذه ألتوسير.
في ساحات باريس سيردد الطلبة اسم كاتب ألماني أشعل شرارة انتفاضة 1968 إنه هربرت ماركيوز صاحب الكتاب الأشهر «الإنسان ذو البعد الواحد» الذي أعلن أن الإنسان غريب في مجتمع التكنولوجيا والتقدم الآلي، وأن الآلات تأكل أبناءها المساكين وكان يرى أن «الديمقراطية الرأسمالية تستطيع بالتكنولوجيا أن تشدد قبضتها أقوى من قبضة الحكم المطلق» ويأخذنا «الغاضبون» إلى حركة الفوضويين التي كان يتزعمها رجل روسي اسمه باكونين، عاش هارباً ناقماً على المجتمع، ساخراً من ماركس الذي التقاه في لندن، لكن سرعان ما يبدي كل منهما إعجابه بالآخر.
يكتب ألبرتو مانغويل: «هناك كتب نتصفحها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها، حالما ننتقل إلى الصفحة التالية، وكتب نقرأها بخشوع دون أن نجرؤ على الموافقة أو الاعتراض على فحواها، وأخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق، وهناك كتب نحبها بشغف، ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها، لأننا نعرفها عن ظهر قلب».
*يوميات
في هذا الكتاب يستعيد علي حسين كتباً أحبها، ولا تزال تشكل جزءاً من يومياته في القراءة، وكما يقول هنري ميللر في كتابه «الكتب في حياتي» وهو يختصر للقراء علاقته بالكتب والكتاب قائلاً: «لقد كانوا أحياء، وكانوا يتحدثون معي» وفي هذا الكتاب يبحث المؤلف عن المتمرد في حياة هؤلاء الذين أثروا حياتنا بأعمال فكرية وأدبية وفنية، ستظل علامة من علامات بحث الإنسان عن عالم أكثر عدالة، سنلتقي بشارلي شابلن، وفرانسواز ساجان، وإميل سيوران، ورامبو، وبيكيت، وجان جينيه، وبروتون ودالي، ويارتر، وكامو، وسيمون ودي بلوفوار.
ويتساءل المؤلف: ما الهدف الذي يسعى إليه الإنسان المتمرد؟ ويجيب: أن يساعد الإنسان على الحياة، لكي يثور في وجه الموت، لكي يحتج على شقاء العالم، الذي وجد نفسه في مواجهته، وتأكيد العدالة لكي يكافح الظلم الأبدي المحيط به، من كل جانب.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير