«حين اختارت الروح الوقوف».. ملحمة في حب الأرض

{title}
همزة وصل   -
ضمن فعاليات اليوم الثالث لمهرجان «أيام الشارقة المسرحية»، في دورته الـ35، شهد بيت الشعر في الشارقة مساء الخميس، عرض «حين اختارت الروح الوقوف»، لمسرح أم القوين الوطني، تأليف عبدالله إسماعيل عبدالله، وإخراج عيسى كايد.
العمل يتحدث عن حب الأرض وضرورة الدفاع عنها عندما ينادي النداء، فالإنسان شديد الارتباط بأرضه، ولا يتردد في بذل كل غال ونفيس من أجلها، وتستعرض المسرحية مواقف مؤثرة في بلد هجم عليها غرباء وحاولوا أن يسيطروا على ترابه ومقدراته، وهنا يأتي دون أبنائها وبناتها البررة، وتبرز في العرض شخصية حازم وصديقه آدم ويرفضان الظلم ويحتكمان إلى ضمير حي، وذلك عندما باع الكثيرون ضمائرهم أو لاذوا بالصمت المخيف في وقت كانت البلد فيه في أمس حاجة لصرخة تمرد ورفض، وخلف شخصية حازم «بطل الحكاية»، تقف والدته محرضة له بأن يترك العمل في الزراعة وأن يسير في درب أبيه الذي رحل مدافعاً عن أرض الأجداد.
ويسلك حازم، بالفعل طريق الدفاع عن البلد رفقة صديقه آدم فكانت الشهادة في سبيل الأرض هي نصيبهما بعد أن رفضا السير في طريق الخنوع، وخلال سير الحكاية تتكشف الكثير من الأشياء التي كانت خافية.

صراع

هذا الصراع المركزي في العمل، شرفاء ضد مغتصبين وخونة، هو ما منح العرض ثقله الدرامي؛ فالمواجهة ليست مجرد معركة، بل هي صراع هوية وبقاء، وفي هذا السياق، لم يعد آدم وصديقه مجرد شخصيات عادية، بل أصبحا الجسر الحي بين الماضي والمستقبل وذلك بإصرارهما على استكمال سيرة الآباء فتلك هي الأمانة، وذلك ما حول المقاومة في العرض من مجرد رد فعل إلى واجب مقدس، الدفاع عن الأرض هنا هو صون لإرث وتاريخ يحاول هؤلاء «الغرباء» محوه أو تزييفه، وهذا ينقلنا إلى دلالة العنوان فرفض الذل والانكسار هو «الوقوف»، وهو التجسيد الفعلي لفعل المقاومة والنضال، فبينما كان الغدر هو سلاح الأعداء، فإن المبادئ والقيم والارتباط بالأرض هي الأسلحة التي حملها البطلان ليسطِّرا معاً أورع الملاحم ويقدما دروساً في الوطنية.
المسحة الشاعرية في النص كان لها دور كبير في صناعة مواقف درامية مؤثرة في العرض، حيث ظلت تلك اللغة الأدبية الرفيعة حاضرة في العمل، حيث يصور النص هؤلاء الغرباء كذئاب لا يريدون الأرض فحسب، بل يسعون لإطفاء «المصابيح» و«الأمل والهوية» في كل بيت، لفرض واقع غريب عن روح المكان، ولعل كلمات آدم عن «الفجر الملطخ بوهج الطلقات» تلخص تماماً تلك اللحظة التي تلتقي فيها حياة السكينة الموروثة عن الأجداد بواقع هجوم الغرباء الغاشم، وذلك يشير إلى تفاهم كبير بين المؤلف والمخرج، حيث نجح الأخير في تحويل نص «ذهني» إلى تجربة بصرية وحسية، فالنص لم يكن مجرد دفق شاعري بل احتشد بالرؤى والمواقف الفكرية، إذ إن عبدالله إسماعيل لم يسقط في فخ المباشرة الخطابية أو الهتافية العالية، بل جعل من «الوقوف» رمزاً لاستعادة الكرامة والضمير.

مقاربات

الفعل الإخراجي كان متميزاً، ويؤكد على مهارة عيسى كايد الذي اعتمدت رؤيته على الإيقاع المتصاعد وانتقال من الهدوء إلى حركة دؤوبة وينتهي بذروة درامية تضع المشاهد أمام تساؤلاته الخاصة حول مبادئه وحول مفهوم الوطن نفسه، واحتشد العمل بالأسئلة الكبيرة، وتجاوز حدود الحكاية التقليدية ليدخل في مناطق الاشتباك مع الذات البشرية، فالمسرحية ليست مجرد عرض عابر، بل هي صرخة فنية تحاول استعادة «الإنسان» في زمن الهرولة نحو المصالح، وهنا تبرز البنية الفكرية للعمل، حيث وظف المخرج كل ما هو موجود على الخشبة في خدمة فلسفة العرض من رموز وإشارات عميقة وعابرة، كما صنع العديد من الفجوات التي يملأها المتلقي بالتأويل والتفكير.
ولعل براعة السينوغرافيا والديكور وتوظيفهما الخلاق يتضح من خلال فضاء يحرض على التأمل في الموت والحياة واختبار الضمير، حيث جرت الأحداث الافتتاحية والختامية في مغسلة للموتى، فنرى آدم أمام جسد صديقه الشهيد المسجى، لتجري حوارات عاصفة في حديث الرفيق لرفيقه الذي مضى، واعتمد المخرج لغة بصرية عالية صنع من خلال توظيف الإضاءة والسينوغرافيا تشكيلات ولوحات جمالية باذخة عبرت عن الحالة الدرامية بصدق، كما عمق المخرج من التكثيف الدلالي، ولم تكن الخشبة مجرد فضاء عادي تجري فيه الأحداث بل مختبر نفسي وجداني.

تكوينات

عمل كايد على صناعة تكوينات حركية تعكس الحالات النفسية المتباينة التي تعيشها الشخصيات، وتميزت التحركات على الخشبة بالحيوية والتوتر، مما نقل للمشاهد إحساساً بمشاعر مهيبة خاصة تلك المتعلقة بخطاب يدور حول أهمية الأرض ومكانتها في القلوب، ولم يكتف المخرج بذلك بل وظف تقنيات المسرح لنقل تلك المشاعر الوطنية المتوهجة إلى قلوب المشاهدين الذين تفاعلوا مع العمل كثيراً، وكانت السينوغرافيا بمثابة البطل الخفي للعرض، وأوحت البقع الضوئية بالقدسية أو الطهر الذي تنشده الروح، بينما عكست الظلال الجوانب المظلمة في النفس البشرية.

والواقع أن الديكور قد صمم بما يتوافق مع الحالة الدرامية بما عزز فكرة المقاومة و«الوقوف» ضد الكسل والخنوع، وجاءت الإضاءة لترسم لوحة بينت ملامح الصراع، في ما عمقت المؤثرات الصوتية، بتداخلها مع لحظات الصمت، من الأثر النفسي للمواقف المعلنة والمكبوتة، بينما جاء الأداء التمثيلي ليكمل هذه اللوحة الجمالية بأبعادها الفكرية عميقة الدلالة، إذ اتسم الفعل التمثيلي بالصدق العالي، وأكَّد على معايشة حقيقية وتمثل للحالة المسرحية، فرأينا كيف عبر الممثلون عن حالة الانكسار والخنوع والنهوض والمقاومة، وبرزت قدرة الممثلين على تطويع أدواتهم الجسدية والصوتية لخدمة الفكرة الفلسفية، مما جعل الجمهور يشعر بأن الصراع الذي يدور على الخشبة هو صراع يخص كل فرد منهم.
العمل ينتمي إلى الفعل الملحمي، فاللغة الشعرية وتوظيفها في فكرة الصراع والمقاومة حدث بشكل جاد يحترم عقل المشاهد، وبطريقة جمعت بين جمال الصورة وعمق الرؤى الفكرية، ونجح العمل في إيصال رسالته بشكل يخلق مساحة كبيرة لدى المتلقي للتأمل في أحداث العرض ومصائر الشخصيات.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير