همزة وصل -
كشفت صحيفة «نيويورك بوست» عن تحليل صادم أجرته مؤسسة «نيوزباسترز» التابعة لمركز أبحاث الإعلام، يزيح الستار عن تحول البرامج الكوميدية والترفيهية الأمريكية إلى منصات مسيسة بالكامل؛ إذ أظهر التحليل أن برنامج السخرية الشهير «ساترداي نايت لايف» (SNL) تحول في موسمه الحالي إلى ما يشبه «فرقة إعدام سياسية أحادية الاتجاه»، حيث تصوب الشاشات سخريتها بشكل شبه مطلق نحو التيار المحافظ والرئيس دونالد ترامب وأركان إدارته، متجاهلة تماماً التوازن الإعلامي والسياسي المعهود.
وفقاً للبيانات الرقمية الصادرة عن هيئة مراقبة الإعلام، والتي شملت فحص الحلقات الـ 19 الأولى من هذا الموسم للبرنامج الممتد حتى تاريخ 9 مايو، فإن التحيز لم يعد مجرد انطباع عابر، بل حقيقة إحصائية صارخة: من بين 226 نكتة سياسية ألقاها مقدمو فقرة «تحديث نهاية الأسبوع»، كولين جوست ومايكل تشي، حظي المحافظون والجمهوريون بنصيب الأسد بواقع 205 نكات استهدفتهم مباشرة (أي بنسبة هائلة بلغت 91%).
في المقابل، نال الديمقراطيون والشخصيات الليبرالية الأخرى 18 نكتة فقط، بينما وُصفت ثلاث نكات بأنها غير حزبية أو محايدة. ولم يتوقف الأمر عند الفقرات الحوارية؛ بل امتد إلى «الافتتاحيات الباردة» للبرنامج، حيث تبيّن أن 82% من الشخصيات التي جرى تقليدها والسخرية منها كانت تستهدف الرئيس دونالد ترامب أو زملاءه من الحزب الجمهوري.
اللافت أن هذا التحليل الدقيق لم يشمل الحلقة الأخيرة المثيرة للجدل من الموسم رقم 51 للبرنامج، والتي تُعرض الليلة، ما يعني أن النسب المرشحة للارتفاع قد تتجاوز التوقعات الحالية مع نهاية بث حلقات هذا العام.
يكشف التقرير أن شخصية الرئيس دونالد ترامب شكلت وقوداً أساسياً لمحرك الكوميديا في شبكة «NBC» هذا العام، وهي المفارقة التي رفعت نسب المشاهدة إلى مستويات قياسية. ترامب – الذي سبق له استضافة البرنامج وتقديمه مرتين بنفسه قبل انتخابه رئيساً – كان بمفرده محوراً لـ 101 نكتة، أي ما يقرب من نصف إجمالي النكات الملقاة في فقرة «تحديث نهاية الأسبوع».
ولم يقتصر الأمر على النكات السياسية المعتادة، بل تعداه إلى إقحام مواضيع جيوسياسية بالغة الحساسية بقوالب مبتذلة؛ ففي حلقة 9 مايو، سخر الممثل الكوميدي مايكل تشي من تصريحات الرئيس قائلاً: استخف الرئيس ترامب بإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ووصفه بأنه «مداعبة لطيفة».
وإلى جانب النكات المباشرة، ظهرت شخصية ترامب – التي يجسدها عادةً الممثل جيمس أوستن جونسون – 12 مرة هذا الموسم في المشاهد الافتتاحية، ليتصدر قائمة الأهداف المونولوجية للبرنامج، متبوعاً بمسؤولين بارزين في إدارته: بيت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي، جاء في المرتبة الثانية بـ 9 ظهورات ساخرة. كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي السابقة، ظهرت 4 مرات. كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، ظهرت 4 مرات أيضاً.
وعلى صعيد فقرة «تحديث نهاية الأسبوع»، حلّ وزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور ثانياً بعد ترامب بـ 14 نكتة، تلاه كل من كريستي نويم (12 نكتة)، الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون (11 نكتة)، والنائب السابق الكاذب عن لونغ آيلاند جورج سانتوس (10 نكات).
تجاوزت الكوميديا حدود الفكاهة السياسية لتلامس مناطق العنف المرفوضة؛ ففي حلقة بُثت في 4 أبريل، تطرق برنامج «ساترداي نايت لايف» بشكل مثير للجدل وبطريقة وصفت بالخطيرة إلى احتمالية اغتيال الرئيس ترامب. قام تشي بحشر تلميح مباشر حول هذا الأمر أثناء فقرة كوميدية تعلقت بحضور الرئيس عرضاً مسرحياً في مركز ترامب كينيدي بواشنطن العاصمة (الذي أعيد تسميته مؤخراً).
قال تشي ملمحاً إلى حادثة اغتيال الرئيس التاريخي أبراهام لينكولن في المسرح: «حضر الرئيس ترامب العرض الافتتاحي لمسرحية «شيكاغو» في مركز كينيدي، وأعتقد أن ذهاب الرئيس إلى المسرح أمر رائع.. أعني، ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟»، وهي الجملة التي أطلق بعدها ابتسامة عريضة وسط ضحكات مبالغ فيها من جمهور الاستوديو.
هذا التلميح أثار حفيظة البيت الأبيض، خاصة أن ترامب كان قد نجا بالفعل من محاولتي اغتيال حقيقيتين خلال حملته الانتخابية عام 2024، إضافة إلى نجاته من محاولة أخرى مؤخراً في 25 أبريل الماضي (بعد ثلاثة أسابيع فقط من حادثة المسرح) وذلك خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض. ورداً على هذا الهجوم المستمر، علّق المتحدث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنجل، بحدة بعد يومين قائلاً: «لم يعد برنامج ساترداي نايت لايف برنامجاً تلفزيونياً جيداً منذ أن استضافه الرئيس ترامب في عام 2015».
في المقابل، تظهر أرقام التحليل ازدواجية معايير فجة في التعاطي مع رموز الجناح اليساري والاشتراكي؛ فعلى سبيل المثال، عمدة مدينة نيويورك الاشتراكي مامداني – الذي يرى المراقبون أن مخططاته الاشتراكية الغريبة وتصريحاته يمكن أن توفر مادة كوميدية دسمة لسنوات – لم يتم استهدافه في فقرة «تحديث نهاية الأسبوع» إلا مرة واحدة فقط طوال الموسم.
ولم تظهر شخصية مامداني إلا في مشهد افتتاحي واحد في نوفمبر الماضي، وجسد دوره الممثل الكوميدي رامي يوسف في سياق مناظرة انتخابية، حيث قال يوسف مقلداً ابتسامة العمدة المميزة: «أعلم أن بعضكم خائف من فكرة وجود رئيس بلدية مسلم اشتراكي شاب، لذا اسمحوا لي أن أطمئنكم بالابتسام بعد كل إجابة بطريقة تؤلم وجهي جسدياً». والمفارقة هنا أن العلاقة بدت ودية تماماً، حيث نشر مامداني لاحقاً مقاطع فيديو لنفسه وهو يضحك عبر تطبيق «فيس تايم» مع يوسف أثناء ارتدائه الزي التنكري، في مفارقة تعكس غياب النقد الحقيقي لتيار اليسار.
وأظهرت بيانات سابقة تعود لشهر مارس الماضي أن 94% من النكات التي ألقاها مقدمو البرامج الليلية خلال الأسبوع الأول من عملية «إريك فيوري» ركزت على توجيه الانتقادات واللوم إلى الولايات المتحدة وحلفائها، بدلاً من إدانة إيران أو الخصوم الآخرين.
كما تتقاطع هذه الأرقام مع إحصاءات سابقة من ديسمبر 2025، كشفت أن نسبة مرعبة بلغت 92% من النكات التي أطلقها كبار مقدمي البرامج مثل جيمي كيميل، ستيفن كولبير، جيمي فالون، سيث مايرز، وفريق برنامج «ذا ديلي شو» تم توجيهها بالكامل لضرب اليمين والمحافظين، في حين تجاوز عدد الضيوف الليبراليين الذين جرت استضافتهم في تلك البرامج عدد الضيوف المحافظين بنسبة كاسحة بلغت 100 إلى 1 تقريباً، ما يرسخ الانطباع بأن الكوميديا السياسية الأمريكية تحولت من أداة للنقد الساخر المتوازن، إلى ذراع بروباغندا موجهة لتصفية الحسابات السياسية وتشكيل الوعي الانتخابي لصالح طرف واحد.



