"صعود المؤثرين: من إدارة الإعلام الشخصي إلى إدارة الرأي العام؟"

{title}
فتحي صالح
همزة وصل   -
في مشهد سياسي إعلامي متغير، أثار تصريح وزير الإعلام الأردني حول الاستعانة بـ"المؤثرين" لنشر الرواية الرسمية جدلاً واسعاً. لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه اليوم ليس "لماذا المؤثرون؟" بل "لماذا لا تزال الحكومات تفكر بالطرق التقليدية الفاشلة في بناء جمهورها؟".

في جلسته التي حملت عنواناً معبّراً عن روح العصر -"إعلام يواكب اللحظة: كيف نصمم الرسالة في عالم يضج بالمحتوى؟"- كشف وزير الاتصال الحكومي معالي الدكتور محمد المومني عن منهجية جديدة تقوم على الاستعانة بناشطي التواصل الاجتماعي لنفي الشائعات، وذلك من خلال تزويدهم بالحقائق لتداولها ضمن إطار ما وصفه بـ"الرد غير المباشر". تصريحٌ بدا في ظاهره مجرد تحديث للاستراتيجيات الاتصالية، لكنه في باطنه فتح باباً على أسئلة جوهرية: كيف وصل الإعلام الرسمي الأردني إلى درجةٍ تُضطر معها الحكومة للبحث عن مؤثرين بدلاء عن مؤسساتها الإعلامية؟ وهل المشكلة أردنية حصراً، أم أنها جزء من زلزال هيكلي يهز أسس الإعلام الرسمي في كامل المنطقة العربية؟

لفهم هذا التحول، لا بد من رحلة في طبقات الأزمة الثلاث، وصولاً إلى مقارنة تكشف عن سبب فشل نموذج الأردن تحديداً في مواكبة تحولات قنوات التأثير الإقليمية الكبرى.

أولاً - لماذا وصلنا إلى هنا؟ تشريح الأزمة الإعلامية الأردنية:

إن لجوء الحكومة الأردنية إلى المؤثرين ليس ردة فعل عابرة، بل نتيجة طبيعية لتراكم ثلاث أزمات متشابكة، صنعت معاً "فراغاً إعلامياً" لم تعد الآليات التقليدية قادرة على ملئه.

١) انهيار الثقة وأزمة التمويل: لا يمكن فهم الخلل دون العودة إلى المعضلة المالية. الأزمة هنا اقتصادية في جوهرها قبل أن تكون خطابية: تراجع الإعلانات، وهجرة المعلنين نحو المنصات الرقمية الأقل تكلفة والأكثر قدرة على الوصول المباشر، جعلت الصحف الورقية والتلفزيونات المحلية تعاني أزمة خانقة تهدد وجودها. المؤسسات الإعلامية الأردنية، التي كانت تفترض أن تكون معاقل للخطاب الرسمي، وجدت نفسها عاجزة عن تمويل تطوير بنيتها التحتية الرقمية أو حتى الاحتفاظ بكفاءاتها. هذا التقهقر المالي لم يقتصر على الصحافة الخاصة، بل طال المؤسسات الرسمية نفسها التي بدت عاجزة عن مواكبة سرعة المنصات الحديثة وقدرتها على الوصول المباشر للجمهور. وبينما كانت الميزانية تنضب، كان الجمهور يهاجر بأعداد متزايدة إلى فضاءات لا تخضع لرقابة الحكومة، بحثاً عن روايات بديلة يظنها أكثر صدقاً.

٢) التفوق الرقمي على الرواية الرسمية: المشهد الإعلامي الأردني اليوم لا يخلو من وسائل، فهو يضم 19 صحيفة ورقية، و19 محطة فضائية، و41 محطة إذاعية، و138 موقعاً إلكترونياً. لكن الكم لا يصنع تأثيراً. فالمواطن الأردني، الذي يحتل بلاده مراتب متقدمة عالمياً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح يفضِّل منصات "فيسبوك" و"تيك توك" بشكل متزايد على متابعة الأحداث من خلال المؤسسات التقليدية. لقد خسر الإعلام التقليدي أهم ميزة كان يمتلكها: "احتكار الرواية". في الماضي، كانت المؤسسات الإعلامية هي من يقرر ما الذي يجب أن يعرفه الناس وكيف يجب أن يفهموه. اليوم، يقرر كل مستخدم هذه القواعد بنفسه، في فضاء رقمي فوضوي لكنه شديد الحيوية.

٣) تشتت الرسائل وأزمة البنية المهنية: ربما الأخطر من تراجع التمويل والمتابعة هو ما يمكن تسميته بـ"أزمة الرواية الموحدة". تعاني الرسالة الإعلامية الأردنية، من تشتت وضعف وتناقض أحياناً، حيث يتحرك الإعلام المحلي غالباً كردة فعل أثناء الأزمات، منتظراً بياناً أو تصريحاً ليباشر النشر، فيقتصر دوره على "إطفاء الحرائق" بدلاً من صياغة رواية استباقية مقنعة. هذا التعدد في المرجعيات الإعلامية التابعة لدوائر صنع القرار يجعل الرسالة عرضة للازدواجية والتضارب، ما يزيد من تشكك المواطن العادي في الرواية الرسمية في ظل التدفق الهائل للمحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الخارجي. أمام هذا الوضع، لم يجد الوزير المومني بداً من القول إن التعاون مع المؤثرين الوطنيين هو "تكامل" مع الإعلام الرسمي وليس "بديلاً" عنه، والهدف هو إيصال رسالة الدولة بلغة الشباب وعبر المنصات التي يقضون فيها معظم أوقاتهم. إنه اعتراف ضمني بأن الإعلام الرسمي لم يعد يمتلك مفاتيح جمهوره، وبالتالي يبحث عن وسطاء جدد.

ثانياً - المقارنة الإقليمية؛ الأردن في مواجهة عمالقة التأثير:

إذا كانت الأزمة الداخلية مفهومة في سياق الأردن، فإنها تصبح أكثر إثارة للقلق عند وضعها في سياقها الإقليمي. كيف يمكن للحكومة الأردنية أن تتحدث عن الاستعانة بمؤثرين لمجرد نفي الشائعات، بينما تحولت قنوات أخرى في المنطقة إلى صانعة للسياسات ومؤثرة في مصير الشعوب؟

١) الجزيرة؛ من استراتيجية "الرأي والرأي الآخر" إلى صانعة الثورات: منذ انطلاقها عام 1996، راهنت قناة الجزيرة على ثنائية "الرأي والرأي الآخر" كاستراتيجية جوهرية لم تخترق بها احتكار الإعلام الغربي فحسب، بل كسرت أيضاً احتكار النخب العربية للصورة والصوت والكلمة، وأتاحت المجال لبروز فضاء عام بديل حمل معه أشكالاً جديدة من التواصل والجدال والتماهي وحتى التعبئة السياسية. لم تكن الجزيرة مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت فاعلاً سياسياً في حد ذاتها، بلغت ذروة نفوذها خلال ثورات الربيع العربي، حيث لعبت دوراً محورياً في صياغة السرديات وتوجيه المشاعر الجماهيرية. قوتها لم تكن فقط في جرأة خطابها، بل في قدرتها على استباق الأحداث وتقديم منصة لم تكن متاحة للمعارضين والمواطنين العاديين. هذه الاستراتيجية جعلتها تشكل الرأي العام العربي وتنسجم معه في آن واحد، مما منحها نفوذاً قل نظيره.

٢) العربية: مشروع وطني استراتيجي لا مجرد قناة: في مواجهة صعود الجزيرة، ظهرت قناة العربية عام 2003 كنموذج مختلف تماماً في فلسفته وموارده. العربية ليست مجرد قناة إخبارية؛ إنها مشروع إعلامي استراتيجي تم بناؤه بإمكانيات خليجية هائلة ورؤية واضحة: تقديم نموذج إعلامي "عربي معتدل" قادر على منافسة الجزيرة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أنظمة الحكم. الموارد المالية التي تقف خلف العربية لا تقارن بما هو متاح لأي مؤسسة إعلامية أردنية: استديوهات متطورة، وشبكة مراسلين عالمية، وعقود استقطاب لأكبر الأسماء الإعلامية، واستثمار في التقنيات الحديثة. لكن الأهم من المال هو الاستقرار السياسي والدعم اللامحدود من صناع القرار الخليجيين، الذي منح العربية قدرة على التخطيط الاستراتيجي لسنوات قادمة، وهو رفاهية لا تمتلكها المؤسسات الأردنية التي تعيش من ميزانية سنوية محدودة.

هذا الاختلاف في الإمكانيات يفسر لماذا لم تستطع أي قناة أردنية، مهما كانت طموحاتها، أن تقترب من نموذج العربية. فالأردن، بدءاً من التلفزيون الأردني الرسمي إلى قناة المملكة، يتحرك في فضاء مالي وسياسي مختلف كلياً، يعاني من ميزانيات متواضعة، وأجور متدنية تدفع الكفاءات إلى الهجرة، مع غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى بسبب التغييرات الحكومية المتكررة.

ثالثاً - أزمة الإعلام الرسمي العربي والأردني الكبرى:

الحقيقة الأعمق هي أن الأزمة الأردنية ليست استثناء، بل جزء من وباء يصيب الإعلام الرسمي العربي بأكمله. هذه أزمة بنيوية لا ترتبط فقط بهوامش الحرية أو سرعة التطور التكنولوجي، بل تتصل أساساً "باختلال المنهج، وتراجع المهنية، وانحراف الخطاب الإعلامي عن دوره الطبيعي في نقل الحقيقة وتفسيرها بموضوعية ومسؤولية". الفارق أن قنوات مثل الجزيرة والعربية نجحت في تحويل هذا الخلل إلى فرصة، إما بامتلاك الجرأة (في حالة الجزيرة) أو بالتموضع الاستراتيجي (في حالة العربية). بينما ظل الإعلام الرسمي الأردني، وجزء كبير من الإعلام العربي الرسمي، عالقاً في دائرة مفرغة: ليس حراً بما يكفي لبناء ثقة، ولا قوياً بما يكفي للمنافسة، ولا غنياً بما يكفي للتجديد.

رابعاً -  الجانب القانوني: كيف تقيد قوانين الجرائم الإلكترونية المؤثرين؟ 

لا يمكن فهم إشكالية المؤثرين في الأردن دون العروج إلى قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023. هذا القانون، الذي صيغت مواده في سياق مكافحة الإرهاب والتحريض، يفرض عقوبات تصل إلى غرامات قدرها 50 ألف دينار وسجن قد يبلغ 3 سنوات على جرائم منها "نشر أخبار كاذبة" (المادة 10)، و"التحريض على الفتنة" (المادة 7). في ظل هذه العقوبات، يعمل المؤثرون تحت تهديد مستدام وغير معلن.

النتيجة المباشرة: يلجأ معظم المؤثرين إلى أحد مسارين: إما تجنب المواضيع السياسية والحساسة تماماً والاكتفاء بالمحتوى الترفيهي أو الاستهلاكي، وإما اعتماد خطاب مزدوج: خطاب "واقعي وجريء" على منصات مغلقة وأكثر أماناً مثل واتساب والتليغرام، وخطاب آخر "آمن ومحايد" على منصات مفتوحة مثل فيسبوك وتيك توك. هذا الانقسام يقتل الجرأة التي هي روح التأثير الحقيقي.

المفارقة العظمى أن الحكومة تريد توظيف المؤثرين لنفي الشائعات، بينما أي مؤثر يتبنى رواية رسمية قد يتهم بنفس القانون إذا تبين لاحقاً أن المعلومات التي نشرها -حتى بحسن نية- غير دقيقة أو أن الشائعة التي نفتها كانت صادقة جزئياً. هذا الخوف القانوني يخلق "صمتاً مطبقاً" حول المواضيع الأكثر حاجة إلى توضيح، ويجعل المؤثر الذي يقبل التعاون الرسمي يبدو في نظر جمهوره إما "جاهلاً بالعواقب" أو "متواطئاً مع النظام".

خامساِ - عصر تحول المهن عندما يصبح الطبيب مؤثراً قبل أن يكون طبيباً: 

إحدى أخطر انعكاسات صعود المؤثرين تتجاوز الإعلام إلى قلب المهن والأسواق. لقد حولت منصات التواصل الاجتماعي العديد من المهن، وخصوصاً في مجالي الصحة والجمال، إلى ساحات صاخبة للشهرة الرقمية، حيث لم تعد الكفاءة المهنية هي المعيار الوحيد، بل حل محله "الترند" و"قابلية المحتوى للانتشار".

في الأردن، شهدنا بروز عدد من الأطباء ومقدمي الخدمات الصحية الذين تحولوا إلى مؤثرين رقميين قبل أن يكونوا أطباء بالمعنى التقليدي. دكتور تجميل يمتلك 800 ألف متابع ينشر فيديوهات قصيرة عن "حقن البوتوكس خلال خمس دقائق" ويحصد إعلانات من شركات مستحضرات التجميل. وآخر مختص في التغذية والتنحيف يروج لحميات "معجزة" ويبيع مكملات غذائية من خلال رابط، دون أي رقابة على صحة المعلومات التي يقدمها. أطباء أسنان يعرضون عمليات تجميلية وكأنها "ترند" جمالي وليس إجراءً طبياً له أضراره ومضاعفاته.

هذه الظاهرة بلغت حداً دفع نقابة الأطباء الأردنية إلى إصدار "تعليمات الإعلانات والإعلام الطبي للأطباء" في فبراير 2025، لحظر استخدام أفعال التفضيل المضللة (مثل "الأفضل" أو "الأوحد") ومنع استغلال المقابلات للترويج المباشر. لكن الإشكالية الأعمق أن هذه البروتوكولات التنظيمية، على أهميتها، لا تواجه السؤال الجوهري: "لماذا يثق الجمهور بمؤثر يهز كرشه على تيك توك أكثر من ثقته بطبيب حقيقي في عيادة؟".

إنه نفس المنطق الذي يطرح نفسه بقوة على وزارة الإعلام: إذا كان مؤثر يستطيع إقناع الملايين بشراء منتج وهمي أو اتباع حمية خطيرة، أفلا تستطيع الحكومة إيجاد مؤثرين حقيقيين لتبني سرديتها؟

سادساً - رؤية نقدية: لماذا لا تبني الحكومة مؤثرين من داخل رحمها؟ 

هذا السؤال ليس ساذجاً كما قد يتصور البعض. إنه قراءة واقعية لتحول عميق: إذا كان "مؤثر هز الكرش" يجني الملايين من خلال محتوى فارغ موضوعياً لكنه يلامس وتراً معيناً لدى الجمهور، فلماذا لا تستطيع الدولة، بمواردها وإمكانياتها، توظيف نفس الآلية لنقل رسائل ذات قيمة حقيقية؟

دعنا ننتقل من النظرية إلى الواقع. لنحك قصة مؤثر أردني حقيقي، مُتابع من 1.2 مليون شخص على تيك توك، يقدم محتوى كوميدياُ ناقداً للواقع اليومي. في عام 2022، وقع عقداً مع إحدى الجهات الحكومية للترويج لحملة تحصين إلكتروني، مقابل مبلغ محترم وتسهيلات في إجراءات عمله الخاص. خلال أسبوعين فقط، خسر 400 ألف متابع. التعليقات كانت قاسية وموجعة: "شرته الحكومة"، "صار لسان وزارة الاتصال"، "وين روحك الناقدة؟". المشروع فشل، وتم إنهاء العقد بالتراضي بعد ثلاثة أشهر فقط، ولم يستعد المؤثر شعبيته السابقة حتى اليوم. هذه القصة، التي تكررت بصيغ مختلفة مع أكثر من مؤثر أردني في مجالات الرياضة والطب والفن، تكشف حقائق مرة:

١) المصداقية لا تُصنع بقرار وزاري: المؤثر الحقيقي يبني جمهوره على الاستقلالية والصدق والجرأة أحياناً. بمجرد أن يظهر أي شخص على أنه "يتحدث باسم الحكومة"، يختفي سحره فوراً. الجمهور ليس ساذجاً؛ سيكتشف أن هذا الشخص "موظف دعاية" وليس مؤثراً. العلاقة بين المؤثر وجمهوره مبنية على وهم الألفة والصدق؛ الحكومة، بأجهزتها وبروتوكولاتها، لا تمتلك هذه الميزة.

٢) الجمهور لا يريد "نسخة حكومية" من المؤثرين: عندما يشاهد المواطن مؤثراً يمدح إنجازات الحكومة، سيتذكر تلقائياً أن هذا المؤثر قد يحصل على تسهيلات، أو إعفاءات جمركية، أو عقود دعائية، أو حتى "تغطية" لبعض المخالفات. الثقة تتبخر قبل أن تتشكل. السخرية هي الرد الطبيعي على أي محاولة "لتجميل" صورة مؤسسة فقدت شعبيتها أصلاً.

٣) المحتوى الحكومي "بارد" بطبيعته:  المنتج الذي يُروَّج بـ"هز الكرش" أو "تحدي الرقص" بسيط ومباشر ومضحك. لكن رسالة الحكومة معقدة، متعددة الطبقات، وغالباً ما تحمل أخباراً سيئة (رفع أسعار، تقشف، قرارات غير شعبية). حتى أعظم مؤثر في العالم سيفشل في جعل زيادة الضرائب أو خفض الدعم "محتوى جذاباً". الحكومة لا تبيع منتجاً ترفيهياً؛ تبيع سياسات غير محبوبة في الغالب. وهنا يكمن الفرق الجوهري الذي لا يمكن جسره.

إذاً، ما العمل بدلاً من ذلك؟  

سابعاً - ثلاثة مسارات عملية تفصيلية:

برأيي، الخطأ ليس في البحث عن مؤثرين، بل في محاولة استئجارهم بدلاً من بنائهم عضوياً، وفي الاعتماد على واجهات إعلامية محروقة شعبياً بدلاً من إعادة بناء الثقة من الصفر. النماذج التقليدية لم تعد مؤثرة.

المسار الأول؛ تحرير الإعلام الرسمي (خطوات عملية محددة):
ليس عبر واجهات محروقة، بل عبر تجديد جذري يتضمن:  

١) إلغاء قانون المطبوعات والنشر رقم 8 لسنة 1998 أو تعديل مواده المقيدة للإبداع والنقد.  

٢) تحويل التلفزيون الأردني إلى هيئة مستقلة مالياً وإدارياً بموجب قانون جديد يشبه قانون هيئة الإعلام الأردنية المستقلة.  

٣) استقدام وجوه شابة حقيقية (وليس "مذيعين رسميين" يحملون نفس نبرة الصوت الجامدة) من خارج المؤسسة، وإعطاؤهم صلاحيات تحريرية مع ضمان حمايتهم من المساءلة السياسية أو حيز أكبر للحرية. 

٤) إلغاء البرامج التقليدية الميتة التي لا يشاهدها أحد واستبدالها ببرامج حوارية نقدية تعكس فعلياً هموم المواطنين.

المسار الثاني؛ الشفافية الكاملة مع المؤثرين المستقلين (آلية عمل): بدلاً من دفع أموال لمؤثر ليصبح "صوت الحكومة"، يمكن:  

١) إنشاء منصة رقمية مفتوحة المصدر تسمى مثلاً "منصة الحقائق الأردنية"، تحتوي على رسومات بيانية تفاعلية، وفيديوهات قصيرة جاهزة للنشر، وبيانات مفتوحة، وردود على الشائعات الأكثر تداولاً.
  
٢) فتح باب الاستخدام للمؤثرين دون أي مقابل مادي، ودون أي شرط مسبق لتبني الرواية. المؤثر الذي يتبنى رواية عن قناعة شخصية سيصدقه جمهوره. المؤثر الذي يتبناها لأن الحكومة دفعت له سينكشف حتماً.  

٣) توفير قنوات اتصال مباشرة (بدون وساطة إعلامية) مع المؤثرين للإجابة عن استفساراتهم، مع إصدار شهادات شكر رمزية لمن يستخدم المنصة، دون أي مكافآت مالية.

المسار الثالث؛ بناء سفراء مجتمعيين من داخل المجتمع، لا من داخل الحكومة: بدلاً من البحث عن ناشط موالٍ، يمكن:  

١) استهداف شخصيات مجتمعية لديها أصلاً مصداقية متراكمة (أطباء ناجحون، مهندسون، معلمون متميزون، رياضيون أولمبيون، فنانون شعبيون) من خلال ورشات تدريب مجانية على مدى 3 أيام في الإعلام الرقمي وإدارة الأزمات.
  
٢) تزويدهم بالمعلومات الدقيقة دون إملاء عليهم ماذا يقولون. هؤلاء سيصبحون "سفراء غير مباشرين" دون أن يفقدوا استقلاليتهم، ودون أن يتحولوا إلى مجرد مكبرات صوت لجهاز إعلام قد لا يثق به الجمهور. 

٣) تكوين شبكة "الدرع المجتمعي" تضم 100-200 شخصية مؤثرة محلياً، تُستشار دورياً في صياغة الرسائل الحكومية قبل إطلاقها.

ثامناً - ما مصير التلفزيون الأردني وقناة المملكة؟

في خضم هذا التحول، يبرز سؤال وجودي: ما مصير المؤسسات الإعلامية التقليدية التي أنفقت عليها الحكومات مئات الملايين؟

التلفزيون الأردني (المؤسسة الإعلامية الرسمية): يعيش حالة من التهميش المتزايد. كان يوماً المصدر الأول للأخبار والترفيه في المملكة. اليوم، أصبح مجرد "خلفية صوتية" في المقاهي الحكومية ودواوين كبار السن. محاولات التحديث بقيت سطحية: شاشة عرض جديدة، استديو محدث، إضافة بعض البرامج الشبابية. لكن الروح كما هي: خطاب رسمي متكلف، نجوم إعلامية كبرت مع المؤسسة، وخوف دائم من تجاوز الخطوط الحمراء. جمهوره الأساسي اليوم هم من لا يستخدمون الإنترنت أساساً، وشريحة عمرية تتقلص يومياً.

قناة المملكة (القناة شبه الرسمية التي انطلقت عام 2020 بطموح "النموذج الحديث"): تعاني من أزمة هوية حادة. ليست رسمية بالكامل فتفقد ثقة المؤسسة والدعم الكافي، ولا مستقلة بالكامل فتفقد ثقة الجمهور الذي يراها مجرد "وجه جديد لنفس العملة القديمة". تحاول تقديم "إعلام قريب من الناس" من خلال برامج سير و انتاج ونقاشات خفيفة، لكنها تبقى أسيرة خطوط حمراء غير معلنة. ميزانيتها، رغم كونها أفضل من التلفزيون الرسمي، لا تزال ضئيلة مقارنة بطموحاتها، وتعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي غير المباشر. تساؤلات تثار في أروقة الصحافة حول استمراريتها في ظل عدم تحقيقها انتشاراً أو تأثيراً يذكر، وفي ظل المنافسة الشرسة مع قنوات خاصة أصغر حجماً لكنها أكثر جرأة.

السيناريو المرجح للمستقبل القريب (5-7 سنوات): استمرار الاثنين بحالتهما الهشة، مع تحول التلفزيون الأردني تدريجياً إلى "إعلام مناسبات" يغطي افتتاحيات الوزراء وزيارات المسؤولين الرسميين، وتحول قناة المملكة إلى منصة رقمية أكثر منها قناة تلفزيونية تقليدية، مع تخليها عن جزء كبير من بثها الفضائي. لا مؤشرات حقيقية على "بعث" حقيقي يخرجهما من دائرة العبث الحالي، إلا إذا طرأت إرادة سياسية غير متوقعة لتحرير الإعلام بشكل جذري.

تاسعاً - من المؤثر إلى الوزير؛ هل نعيد تعريف المشهد؟

إذا كانت الحكومات تلجأ اليوم إلى المؤثرين لنقل رسائلها، فلماذا لا نتوقع أن يتولى هؤلاء المؤثرون صنع القرار بأنفسهم غداً؟

التجارب العالمية بدأت تلمح إلى هذا الاحتمال. حكومات مثل إيطاليا شهدت صعود شخصيات إعلامية وكوميدية إلى مناصب وزارية (مثل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية -ريغان- والرئيس الحالي لأوكرانيا)، وفي الخليج، أصبح الوزراء الشباب يمتلكون ملايين المتابعين على "إكس" و"إنستغرام"، حيث يمارسون الدبلوماسية الرقمية بشكل موازٍ لعملهم الرسمي، بل وأحياناً أكثر تأثيراً من قنواتهم الرسمية.

لكن هل يمكن حقاً أن نرى مؤثراً وزيراً في الأردن أو أي دولة عربية أخرى قريباً؟

السيناريو ليس مستحيلاً على الإطلاق، لكنه يحمل إشكاليات عميقة. الحقائب الوزارية ليست مجرد منصات للتواصل مع الجمهور؛ الوزير يحتاج إلى خبرة إدارية متراكمة، وقدرة على تحليل السياسات العامة، وتحمل المساءلة القانونية والمحاسبة البرلمانية، وفهم تعقيدات الميزانيات والتشريعات. المؤثر، مهما كانت شعبيته واسعة، يندر أن يمتلك هذه الأدوات. هنا يكمن الخطر الحقيقي الذي يتهدد الديمقراطيات الناشئة: أن نصبح مجتمعاً يحكمه "صانعو المحتوى" لا "صانعو القرار"، وأن تُختزل السياسة في تفاعلات فورية وردود سريعة على التغريدات بدل التفكير الاستراتيجي العميق.

السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأردن خلال العقد القادم هو أن نرى مؤثرين في مناصب استشارية (مستشارين لوزراء الإعلام أو الاتصال)، أو كأعضاء في مجالس أمناء مؤسسات إعلامية، أو وزراء دولة بلا حقيبة وزارية ثقيلة (مثل وزارة الشباب أو الإعلام). أما وزارات السيادة كالمالية والداخلية والخارجية، فستبقى بعيدة عن متناول المؤثرين لفترة طويلة قادمة، إلا إذا أثبت أحدهم قدراته الإدارية في مناصب أقل أولاً.

ربما ما نحتاجه ليس استبدال الإعلامي بالمؤثر، ولا الوزير بالنجم الرقمي، بل بناء جسر حقيقي بين هذين العالمين. جسر تقوم عليه مؤسسات إعلامية مستقلة، ومهنية راسخة، وسياسات شفافة، ومواطن ناقد. المؤثرون ليسوا الحل السحري، وليسوا المشكلة الأساسية؛ هم مجرد مرآة تعكس واقعاً أعمق: أزمة ثقة لم يعد الإعلام الرسمي قادراً على معالجتها وحده، وأزمة تمثيل لم يعد المواطن يجد فيها من يُعبر عنه بصدق.

الخاتمة - أيتها الوزارة، أنت لست منصة "تيك توك":

تصريح وزير الإعلام الأردني ليس نهاية القصة، بل فاتحة اعتراف علني بعجز مؤسسي، وربما -إذا قيض لها التوفيق- بداية مراجعة جذرية. آن الأوان للتوقف عن الاعتماد على الطريقة التقليدية التي لم تعد مؤثرة، والتوقف عن استخدام واجهات إعلامية مسيرة ومحروقة شعبياً وفاقدة للمصداقية. آن الأوان للاعتراف بأن الجمهور ليس ساذجاً، وأنه لم يعد يقبل "تغليف الحقيقة بشكل أجمل".

الوزارة التي تبحث عن مؤثرين "من داخل رحم الحكومة" ستنتج -حالياً- في أفضل الأحوال، وجوهاً بلا روح، وفي أسوأها مواد بلا معنى غير مستساغة عند الجمهور. المؤثرون الحقيقيون لا يُستأجرون: إما أن تقنعهم بروايتك فيتبنونها عن طواعية كاملة، وإما أن تبقى تبحث عن "بدائل أرخص" مع نتائج غير مرضية.

لا يمكنك أن تطلب من مؤثر "هز الكرش" أن يشرح لمتابعيه أسباب رفع أسعار الكهرباء. كما لا يمكنك أن تحول "تحدي الغناء" إلى "تحدي الإصلاح الاقتصادي". فجوة النوع بين ما تبيعه الحكومة وما يبيعه المؤثرون هي فجوة لا يمكن جسرها بأموال الدعاية ولا بوعود التسهيلات ولا بالتهديد القانوني. الحكومة تبيع سياسات غير شعبية ومعلومات باردة، بينما يبيع المؤثرون ترفيهاً وهروباً من الواقع المرير، وتعاطفاً فورياً. الجمع بينهما ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب معجزة في الصياغة لم تشهدها وزارات الإعلام العربية بعد.

ربما لا نشهد في السنوات القريبة مؤثرين على رأس وزارات السيادة، لكننا سنراهم في الغرف الخلفية للحكم: مستشارين، أو وزراء دولة بلا حقائب ثقيلة. وعندها سيُطرح السؤال الأكثر إحراجاً على أولئك الذين ظنوا أن "الإعلام الجديد" هو مجرد أدوات ووجوه: هل سيكون هؤلاء وزراء للدولة، يحملون هموم المواطنين ويحاسبون أمام البرلمان ويمتلكون رؤية استراتيجية؟ أم سيكونون وزراء للمنصة، يخضعون لخوارزميات "تيك توك" قبل أن يخضعوا للدستور، ويقاس نجاحهم بعدد التفاعلات لا بعدد المشكلات التي حلوها؟

الإجابة، كما يبدو، لن تكتبها القنوات التقليدية، ولا حتى المؤثرون الجدد. ستصنعها خوارزميات وتفاعلات وسلوكيات جماهيرية لم نتعلم بعد كيف نفهمها، وأجيال قادمة لن تسأل عن "مدى كفاءة وزير إعلامنا؟" بل ستسأل "كم عدد متابعيه؟".

حفظ الله العباد والبلاد.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير