همزة وصل -
تواجه النسخة الحالية من بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، المقامة بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التحدي اللوجستي الأكبر والأعقد في تاريخ المونديال منذ انطلاقه عام 1930. ومع توسع البطولة لتضم 48 منتخباً بدلاً من 32، وزيادة عدد اللقاءات إلى 104 مباريات، تحولت المساحات الشاسعة للقارة الأمريكية الشمالية إلى معضلة حقيقية هددت سلامة اللاعبين وجاهزيتهم البدنية وإرهاق الجماهير. ولمواجهة هذا التحدي، استقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) على استراتيجية مبتكرة تعتمد على التقسيم الإقليمي العنقودي وتوزيع المباريات جغرافياً لتقليل فترات الطيران الطويلة، محولاً القارة إلى ما يشبه ثلاث بطولات مصغرة ومتوازية.
تعتمد الفكرة الأساسية التي أقرها الفيفا لإنقاذ البطولة من التشتت الجغرافي على تقسيم المدن الـ 16 المستضيفة إلى ثلاث مناطق جغرافية رئيسية محددة سلفاً. وتضم «المنطقة الغربية» مدناً مثل فانكوفر وسياتل وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس وغوادالاخارا، بينما تشمل «المنطقة الوسطى» دالاس وهيوستن وكنساس سيتي وأتلانتا ومكسيكو سيتي ومونتيري، في حين تندرج مدن تورونتو وبوسطن ونيويورك/نيوجيرسي وفيلادلفيا وميامي تحت لواء «المنطقة الشرقية».
وبموجب كواليس هذا النظام، تلعب المنتخبات مبارياتها الثلاث في دور المجموعات بالكامل داخل منطقة جغرافية واحدة فقط دون الحاجة للتنقل بين السواحل المتطرفة. على سبيل المثال، فإن المنتخب الذي يقع في المجموعات المخصصة للمنطقة الغربية سيتنقل في نطاق إقليمي ضيق، ما يضمن تجنيب البعثات الرياضية خطر اضطرابات النوم والإجهاد العضلي الناتج عن عبور الفروع الزمنية المختلفة لقارة أمريكا الشمالية. هذا الحل الذكي لا يحمي اللاعبين فحسب، بل يسهل كذلك تنقل المشجعين عبر السماح لهم بحجز إقاماتهم في منطقة حضرية واحدة لمتابعة منتخباتهم دون تحمل تكاليف طيران باهظة، فضلاً عن مساهمته في الاستدامة البيئية من خلال خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الطيران المكثف.
إن الضخامة اللوجستية لهذا المونديال الأكبر في التاريخ لا تتوقف عند حركة اللاعبين والجماهير فحسب، بل تمتد إلى شبكات النقل والإمداد العملاقة. وتشير التقارير الصادرة عن شركاء الفيفا اللوجستيين إلى حجم عمليات هائل وغير مسبوق؛ حيث يتم التعامل مع شحن أكثر من 20 مليون رطل من المعدات التي تتنوع بين تجهيزات البث العالمية والملابس والآليات الطبية والبنية التحتية للملاعب. ولضمان تدفق هذه الكميات الضخمة بسلاسة، تم تحريك أسطول يضم قرابة 5,000 مركبة شحن وتوصيل، مع تخصيص مساحات تخزينية هائلة تصل إلى حوالي مليون قدم مربع من المستودعات الموزعة بشكل استراتيجي عبر الأقاليم الثلاثة.
ولتفادي أي اختناقات إدارية قد تحدث نتيجة لاختلاف القوانين بين الدول الثلاث المستضيفة، أنشأ الاتحاد الدولي «مركز تنسيق لوجستي مركزي» (LCC) يعمل على مدار الساعة. يتولى هذا المركز إدارة عمليات التخليص الجمركي المعقدة، والتدفقات اللوجستية العابرة للحدود، وعمليات الشحن والتوريد المباشر بين الملاعب لضمان وصول المعدات بدقة متناهية قبل انطلاق صافرة كل مباراة.



