الفيفا تودع الــ "بلايستيشن"... وتهديك المونديال في يدك

{title}
همزة وصل   -
لم تعد فيفا تعود إلى عالم الألعاب من الباب نفسه الذي خرجت منه. بعد نهاية شراكتها الطويلة مع "EA Sports"، لم تختر أن تبدأ بلعبة ضخمة تنافس "EA Sports FC" مباشرة، ولا بمحاكاة معقدة تستهدف اللاعبين المحترفين، بل جاءت عودتها عبر طريق مختلف: لعبة مونديالية على نتفليكس، تُلعب من شاشة التلفزيون، ويُتحكم بها عبر الهاتف.

اللعبة الجديدة، "FIFA World Cup: Launch Edition"، ليست مجرد إصدار ترفيهي مصاحب لكأس العالم 2026، بل تبدو كاختبار أول لاستراتيجية فيفا بعد "EA": حضور رقمي أخف، أوسع، وأكثر ارتباطاً بالمنصات التي يستخدمها الناس يومياً.

عودة مختلفة

بحسب فيفا، أُطلقت اللعبة في 11 يونيو 2026، بالتزامن مع انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وذلك حصرياً عبر "Netflix Games". وهي متاحة لمشتركي نتفليكس من دون تكلفة إضافية، ما يعني أنها لا تعتمد على نموذج بيع النسخ التقليدي، بل تدخل ضمن قيمة الاشتراك نفسه.

هذه النقطة تغير طبيعة اللعبة اقتصادياً. فالسؤال هنا ليس: كم نسخة ستبيع فيفا؟ بل: كم مشتركاً في نتفليكس سيلعب؟ وكم وقتاً سيقضي الجمهور داخل منصة نتفليكس خلال موسم المونديال؟ بمعنى آخر، اللعبة لا تُباع كمنتج مستقل، بل تُستخدم كأداة تفاعل داخل منظومة ترفيهية أكبر.

أرقام اللعبة

اللعبة تحمل أرقام البطولة نفسها. فهي تضم المنتخبات الـ 48 المشاركة في كأس العالم 2026، والملاعب الـ 16 التي تستضيف مباريات البطولة، وأكثر من 1200 لاعب، فيما تشير بعض التقارير إلى رقم أدق هو 1248 لاعباً. كما تدعم مشاركة ما يصل إلى 4 لاعبين في الوقت نفسه باستخدام الهواتف كوحدات تحكم.

هذه الأرقام مهمة لأنها تمنح اللعبة قوتها الرسمية. قد لا تكون التجربة بحجم أو عمق ألعاب كرة القدم التقليدية، لكنها تملك ما لا تملكه ألعاب كثيرة: توقيت كأس العالم، المنتخبات الرسمية، الملاعب الرسمية، وأسماء اللاعبين. هنا لا تبيع فيفا كرة القدم بشكل عام، بل تبيع لحظة المونديال نفسها.

بلا جهاز

أكثر ما يميز اللعبة أنها لا تحتاج إلى جهاز ألعاب. فوفقاً لنتفليكس، يمكن تشغيلها عبر التلفزيون، ثم استخدام الهاتف كأداة تحكم، في تجربة تشبه تحويل غرفة الجلوس إلى ملعب صغير. وهذه البساطة ليست تفصيلاً تقنياً، بل جزء من فلسفة اللعبة.

فيفا لا تخاطب هنا اللاعب الذي ينتظر محاكاة ثقيلة، بل المشجع الذي يريد مباراة سريعة مع العائلة أو الأصدقاء أثناء البطولة. إنها لعبة مصممة لمن يريد الدخول فوراً، لا لمن يريد تعلم عشرات الأزرار والأنظمة. ومن هنا تبدو أقرب إلى تجربة جماهيرية خفيفة منها إلى منافس مباشر لـ "EA Sports FC".

كلفة غائبة

ورغم أهمية المشروع، لم تكشف فيفا أو نتفليكس أو شركة "ديلفي انتراكتف" عن كلفة تطوير اللعبة أو قيمة الترخيص التجاري بين الأطراف. لا يوجد حتى الآن رقم معلن يوضح كم دفعت نتفليكس، أو كم حصلت فيفا، أو كم كلف إنتاج اللعبة. لذلك، لا يمكن التعامل معها كصفقة معلنة القيمة مثل صفقات الألعاب التقليدية.

لكن غياب الرقم لا يعني غياب المعنى الاقتصادي. فاللعبة تأتي بعد مرحلة كانت فيها رخصة اسم "FIFA" تدر، بحسب تقارير صحفية، نحو 150 مليون دولار سنوياً على الاتحاد الدولي من "إي أيه". وعندما تعثرت مفاوضات التجديد، أشارت تقارير إلى أن فيفا كانت تطلب أكثر من مليار دولار لكل دورة ترخيص تمتد 4 سنوات.

بهذا المعنى، تبدو لعبة نتفليكس أصغر من صفقة "إي أيه" القديمة من حيث الشكل، لكنها أكبر من مجرد لعبة عابرة من حيث الدلالة. فيفا تختبر نموذجاً لا يقوم على ناشر واحد يدفع رخصة ضخمة، بل على توزيع حضورها الرقمي عبر منصات وشركاء مختلفين.

بعد "إي أيه"

استمرت علاقة فيفا و"إي أيه" نحو ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي مع آخر إصدار حمل اسم" FIFA 23". بعد ذلك، واصلت "إي أيه" طريقها تحت اسم "EA Sports FC"، مستندة إلى شبكة واسعة من التراخيص الخاصة بالأندية والدوريات واللاعبين. وهذا جعل عودة فيفا إلى الألعاب أكثر تعقيداً، لأن الاسم وحده لم يعد يكفي.

لذلك، لا تحاول لعبة نتفليكس أن تقول إنها البديل الكامل لـ "إي أيه". هي تقول شيئاً آخر: فيفا تستطيع أن تعود إلى اللاعب من خلال كأس العالم نفسه، ومن خلال تجربة رسمية مرتبطة بالبطولة، حتى لو لم تكن لعبة سنوية ضخمة. إنها عودة من باب الحدث، لا من باب الدوري اليومي.

نموذج جديد

في النموذج القديم، كانت اللعبة تُشترى مرة واحدة، ثم تُبنى حولها مبيعات إضافية ومحتوى داخل اللعبة. أما هنا، فالنموذج أقرب إلى اقتصاد الاشتراك. اللعبة مجانية داخل نتفليكس، ولا تُطرح كشراء منفصل، ما يجعل قيمتها مرتبطة بجذب المستخدمين إلى المنصة وزيادة تفاعلهم معها.

هذا يناسب نتفليكس أيضاً. فالمنصة تحاول منذ سنوات توسيع حضورها في الألعاب، وإضافة "FIFA World Cup: Launch Edition" إلى مكتبتها تمنحها ارتباطاً مباشراً بأكبر حدث رياضي في العالم. وبحسب تقارير، تعمل ألعاب التلفزيون في نتفليكس حالياً في نحو 20 سوقاً، بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبرازيل، مع خطط للتوسع.

نسخة افتتاحية

اسم اللعبة نفسه، "Launch Edition"، يوحي بأنها بداية لا نهاية. فهي ليست بالضرورة المشروع الكامل الذي تريد فيفا الوصول إليه، بل نسخة افتتاحية لاختبار الجمهور، وتقديم تجربة سهلة، ثم البناء عليها لاحقاً عبر تحديثات أو خصائص أوسع.

وهذا مهم لأن فيفا لا تزال في مرحلة إعادة بناء حضورها في سوق الألعاب بعد "إي أيه". اللعبة الحالية قد لا تحسم مستقبل فيفا الرقمي، لكنها تمنح الاتحاد الدولي بيانات وتجربة ومعرفة بسلوك الجمهور: من يلعب؟ كم من الوقت؟ مع من؟ وعلى أي شاشة؟ وهذه البيانات قد تكون أهم من المبيعات المباشرة، لأنها تساعد فيفا على رسم خطوتها التالية.

جمهور أوسع

قد لا تكون "FIFA World Cup: Launch Edition" لعبة للاعبين الذين يريدون تكتيكات عميقة أو أطواراً طويلة أو سوق انتقالات أو بطاقات رقمية معقدة. لكنها قد تكون مناسبة جداً لمن يريد أن يعيش أجواء المونديال بسرعة. الأب مع أبنائه، الأصدقاء قبل المباراة، أو مشجع يريد تجربة منتخب بلاده في دقائق.

وهنا تكمن الفكرة: فيفا لا تذهب فقط إلى جمهور الألعاب، بل إلى جمهور كأس العالم. والفرق كبير. جمهور الألعاب يبحث عن عمق، أما جمهور المونديال فيبحث أحياناً عن لحظة مشاركة. واللعبة الجديدة مبنية على هذه اللحظة.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير