طلال أبو غزالة في «كلام بزنس».. 88 عاماً من النجاح لمؤسس أكبر إمبراطورية عربية للملكية الفكرية

{title}
همزة وصل   -
يرى مؤسس ورئيس مجموعة طلال أبو غزالة الدولية، الدكتور طلال أبو غزالة، أن الثروة الحقيقية لا تُقاس بحجم الأصول أو العقارات، وإنما بما يملكه الإنسان من معرفة وأفكار، مؤكداً أن ما صنع مجموعته العالمية لم يكن النفط أو التجارة أو الصناعة، بل الاستثمار المبكر في اقتصاد المعرفة والملكية الفكرية، في وقت لم يكن معظم الناس في المنطقة العربية يعرفون معنى هذا المجال أصلاً في الستينيات.

وخلال مقابلة مطوّلة مع برنامج «كلام بزنس»، استعرض أبو غزالة رحلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، بدأت بطفل فلسطيني هُجّر من يافا عام 1948، وانتهت ببناء واحدة من أكبر المؤسسات العربية العاملة في مجالات الملكية الفكرية والمحاسبة والاستشارات والتكنولوجيا، تمتلك أكثر من 140 شركة ونحو 100 مكتب حول العالم ويعمل بها قرابة ألفي موظف.
من طفل لاجئ إلى صاحب رسالة
استعاد أبو غزالة تفاصيل التهجير القسري الذي تعرض إليه من مدينة يافا وهو في العاشرة من عمره، مؤكداً أن عائلته غادرت اعتقاداً بأن الأمر سيكون مؤقتاً قبل أن تكتشف أنها فقدت كل ما تملك.
ويروي أن والده، الذي كان يملك أعمالاً ومصانع وشركات في فلسطين، قال له على متن الباخرة: «خسرنا كل شيء»، إلا أن الطفل الصغير رد عليه بسؤال غيّر حياته كلها: «أخذوا عقلك؟ أخذوا علمك؟ أخذوا معرفتك؟»... ومنذ تلك اللحظة، قرر أن يجعل التفوق رسالته الأساسية، قائلاً: «رسالتي التفوق... لا أريد أن أكون أغنى واحد ولا أشهر واحد، أريد أن أكون متفوقاً».

وأضاف أن النجاح بالنسبة له لم يكن يوماً هدفاً مالياً، وإنما وسيلة لإثبات قدرة الإنسان العربي على المنافسة عالمياً.

وأوضح أن المعاناة لم تكن عائقاً في حياته، بل كانت أكبر دافع للاستمرار، قائلاً: «من نعم الله عليّ أنني عانيت»، وأكد أن الظروف الصعبة أجبرته على التفوق في الدراسة والعمل في الوقت نفسه، وهو ما اعتبره سبباً رئيسياً في بناء شخصيته لاحقاً.
بدأ يبيع الآيس كريم.. ثم أسس إمبراطورية عالمية
روى أبو غزالة أنه بدأ العمل وهو في الثانية عشرة من عمره، فعمل بائعاً للآيس كريم، ثم في متجر للأسطوانات الموسيقية، وبعدها في سوق الخضار، بينما كان يمشي أربع ساعات يومياً ذهاباً وإياباً إلى المدرسة، قبل أن يحصل على منحة للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت بفضل تفوقه الدراسي. وأوضح أنه كان يعتبر العمل «نعمة» وليس مجرد وسيلة للحصول على المال، قائلاً إن أكثر ما تعلمه من تلك الفترة أن الإنسان يستطيع تحويل المعاناة إلى طاقة تدفعه للأمام إذا أحسن التعامل معها.

وأضاف أن أول مبلغ كبير حصل عليه في حياته كان بعد فوزه بمسابقة للقصة القصيرة أثناء الدراسة الجامعية، فاشترى لوالدته ثلاجة وفرناً وغسالة، معتبراً أن تلك اللحظة كانت من أسعد لحظات حياته لأنها أدخلت الراحة إلى أسرته لأول مرة.

شركة بدأت من صندوق سيارة.. وأصبحت الأكبر في العالم
بعد سنوات من العمل في إحدى أكبر شركات المحاسبة بالكويت، قرر أبو غزالة تأسيس شركته الخاصة عام 1972، لكن من دون مكتب أو رأس مال تقريباً.

ويقول إن اجتماعاته الأولى كانت تُعقد على الرصيف، بينما كانت ملفات العملاء محفوظة داخل صندوق سيارته، قبل أن يتبرع له أحد رجال الأعمال بمكتب مجاني عندما علم بظروفه.

ويستعيد تلك المرحلة قائلاً إن كل ما كان يملكه آنذاك هو «الفكرة»، بينما لم يكن أحد يفهم لماذا يصر على تأسيس شركة متخصصة في الملكية الفكرية، حتى إن كثيرين كانوا يعتبرون المشروع فكرة غريبة لن تنجح.

وأوضح أن المجموعة احتاجت إلى خمس سنوات كاملة قبل أن تتوقف عن تسجيل الخسائر، وأنها اعتمدت خلال تلك الفترة على القروض البنكية واستمرار العمل دون توقف، مؤكداً أن الإصرار على بناء شركة عربية عالمية كان الهدف منذ اليوم الأول.

وقال: «أعلنّا منذ تأسيس الشركة أن العالم يحتاج إلى أن يكون بين الشركات الكبرى شركة عربية».

«أكبر شركة في العالم».. كيف صنعت الملكية الفكرية ثروة المجموعة؟
يرى أبو غزالة أن كثيرين لا يزالون يسيئون فهم طبيعة نشاط المجموعة، موضحاً أن قيمتها الحقيقية ليست في المصانع أو المخازن، وإنما في المعرفة وقواعد البيانات والخبرة المتراكمة.

وكشف أن المجموعة بنت عبر عقود قاعدة بيانات تضم كل ما سُجل من حقوق ملكية فكرية حول العالم تقريباً، الأمر الذي جعلها قادرة على التحقق من العلامات التجارية وبراءات الاختراع خلال ثوانٍ، بينما كان الأمر في السابق يتطلب مراسلات مع عشرات الدول.

وقال إن المجموعة أصبحت بعد عشر سنوات فقط من تأسيسها أكبر شركة في العالم في مجال الملكية الفكرية، مضيفاً: «بدأنا عام 1972، وفي 1982 كنا أكبر شركة في العالم بالملكية الفكرية، والآن لسنا الأكبر فقط، بل الأكبر بمراحل»، كما رفض الحديث عن قيمة ثروته الشخصية، معتبراً أن التقديرات المتداولة حول قيمة المجموعة تتعلق بالقيمة المعنوية للاسم والخبرة وليس بالأصول التقليدية، مضيفاً: «أنا مفلس... كل الأرباح يعاد استثمارها للدفاع عن المستقبل».

«الراحة تقتل».. فلسفة إدارة عمرها 88 عاماً
رغم بلوغه الثامنة والثمانين، يؤكد أبو غزالة أنه لا يزال يعمل «ثمانية أيام في الأسبوع»، موضحاً أنه يستيقظ أحياناً في الثانية أو الثالثة فجراً ليكتب أفكاره أو يمليها على فريقه، ويعتبر أن الراحة بالمعنى التقليدي لا وجود لها في قاموسه.

وقال: «الراحة مُضرة بالصحة»، موضحاً أن الإنسان إذا توقف عن استخدام قدراته العقلية والجسدية تبدأ في التراجع تدريجياً، وأن الحفاظ على النجاح أصعب بكثير من الوصول إليه.

وأوضح أنه لا يدير المجموعة من خلال إصدار الأوامر اليومية، وإنما عبر التقارير وتحليل البيانات، مؤكداً أن القرار النهائي يتركه للمدير المسؤول، بينما يكتفي هو بالمناقشة وإبداء الرأي، وهو ما يعتبره أحد أهم أسرار استدامة المؤسسة عبر عقود.

كما لخص فلسفته في النجاح بثلاث وصايا أساسية: عدم اعتبار الفشل نهاية الطريق، والنظر إلى المشكلات باعتبارها فرصة للتعلم، والإيمان بأن «السعادة قرار».

لماذا يراهن على صناعة الأجهزة رغم الخسائر؟
في الوقت الذي تتجه فيه شركات كثيرة إلى تقليص استثماراتها الصناعية، كشف أبو غزالة أن مجموعته تنتج أجهزة كمبيوتر وحواسيب لوحية وأجهزة تعليمية تحمل علامتها التجارية، رغم اعترافه بأن هذا النشاط لا يحقق أرباحاً حالياً.

وبرر ذلك بأن الاستثمار موجّه إلى المستقبل، موضحاً أن العالم قد يواجه اضطرابات في سلاسل الإمداد نتيجة تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما قد يفتح المجال أمام منتجين جدد.

وقال إن العالم العربي يجب أن يمتلك القدرة على تصنيع التكنولوجيا بنفسه، لا أن يظل مستهلكاً لها فقط، مضيفاً أن الابتكار والاختراع أصبحا مصدر القوة الحقيقي للدول، وليس النفط أو الصناعة التقليدية.

واعتبر أن اختراعاً واحداً قد يساوي اقتصاد دولة كاملة، مستشهداً بشركات التكنولوجيا العالمية التي بنت قيمتها السوقية على الأفكار والمعرفة أكثر من اعتمادها على الأصول المادية.

الاكتفاء الذاتي والابتكار.. رؤيته لاقتصاد المستقبل
يرى أبو غزالة أن معيار قوة الدول في العقود المقبلة لن يكون حجم احتياطيات النفط أو الموارد الطبيعية، وإنما قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والابتكار.

وانتقد اعتماد بعض الدول على الاستيراد بحجة انخفاض التكلفة، مؤكداً أن الإنتاج المحلي، حتى لو كان أكثر تكلفة في البداية، يخلق وظائف ويحافظ على الاقتصاد ويقلل الاعتماد على الخارج.

وأكد أن المستقبل سيكون للاقتصاد القائم على المعرفة، قائلاً: «اختراع واحد قيمته اقتصاد دولة كاملة».

وأضاف أن المنطقة العربية لا تزال بحاجة إلى ترسيخ ثقافة الابتكار منذ المراحل التعليمية الأولى، مشيراً إلى أنه أنشأ صندوقاً لدعم الابتكار، بينما يحرص على إرسال أفراد أسرته للتدرب في وادي السيليكون لفهم كيفية تحويل الأفكار إلى شركات عالمية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه العالم سباقاً متسارعاً في الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، مع ارتفاع قيمة الأصول غير الملموسة لتشكل النسبة الأكبر من القيمة السوقية لكبرى شركات التكنولوجيا العالمية، وهو ما يعكس التحول المتزايد نحو اقتصاد المعرفة الذي كان أبو غزالة يراهن عليه منذ أكثر من نصف قرن.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير