همزة وصل -
يعد شهر رمضان موسماً روحانياً للطاعات والعبادات، فهو شهر الرحمة والمغفرة، تشتاق إليه قلوب المؤمنين، وتحن إليه أرواح العابدين، ويبحث فيه كُثر عن سكينة روحية في تدبر آيات القرآن الكريم، وإطلالة على سيرة الرسول الكريم، كما يعتبره كُثر موسماً للقراءة الرصينة التي تعيد ترتيب الداخل، وتمنح القلب والوعي فرصة لالتقاط أنفاسهما بعيداً عن زحام المسلسلات وبرامج الترفيه الصاخبة، في مشروع صغير لاستعادة علاقة أكثر عمقاً بالمعرفة والروح معاً.
في الفترة الممتدة بين أذان المغرب والسحور، تتسع فسحة من الوقت يمكن تحويلها إلى «ورشة قراءة» شخصية، تجمع بين قصص القرآن وسيرة الصحابة ودهشة التاريخ الإسلامي، ليصبح رمضان فرصة لإعادة بناء ذائقتنا القرائية، بعيداً عن وهج الهواتف والشاشات، وبقرب أكبر من نصوص تصنع وعياً أعمق.
من الطبيعي أن تكون البداية من القصص القرآني، بوصفه أصل الحكاية في الثقافة الإسلامية، ومساحة فكرية لسؤال الخير والشر، والابتلاء والصبر، والهداية والضلال، ومن الكتب التي يمكن أن تؤطر قراءة تأملية لقصص القرآن، كتاب «أنبياء الله» للكاتب أحمد بهجت، والذي تميز بمنهج وأسلوب يعتمد على النص القرآني، ويربط بين القصص موضحاً التتابع التاريخي، والتحولات الدينية في أسلوب يجعل القارئ يشعر وكأنه يشاهد الأحداث.
سيرة
يحضر طه حسين في المشهد الرمضاني عبر كتابه «على هامش السيرة»، حيث يعيد تقديم سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في صياغة أدبية تتكئ على المرويات الأصيلة، وتسمح في الوقت نفسه بمساحة للتخييل في الحوار وبناء المشهد التأملي الإنساني في محطاتها، مبرزاً شخصيات مثل السيدة خديجة وعم النبي حمزة رضوان الله عليهما، بأسلوب درامي يجعل القارئ يعيش تفاصيل مكة والمدينة كما لو كان داخل النص.
وحول سيرة الصحابة نجد كتاب «رجال حول الرسول» لخالد محمد خالد، الذي يتناول سير عدد من الصحابة برؤية تمزج بين السرد التاريخي والتحليل الروحي والأخلاقي، مع الحرص على إبراز البعد الإنساني لشخصيات كبيرة اعتدنا رؤيتها في إطار مثالي مجرد، وتحضر سلسلة العبقريات لعباس العقاد في مشهد القراءة الرمضانية بكتب «عبقرية الصديق» و«عبقرية عمر» و«عبقرية خالد»، حيث تقارب هذه السلسلة شخصيات إسلامية تأسيسية من زاوية تحليل نفسي وتاريخي وفكري، لتبيّن كيف تشكلت ملامح القيادة والعدالة والورع.
هذه العناوين تجعل من رمضان مناسبة لإعادة اكتشاف السيرة والصحابة، عبر نصوص توازن بين الأمانة التاريخية واللغة الأدبية الجذابة، التي تعتمد على الحكاية القصيرة المكثفة، لتتحول مواقف مثل الهجرة والزهد والشجاعة إلى مشاهد قريبة من القارئ، يمكن قراءتها في جلسة واحدة بعد صلاة التراويح.
مسار
شهر رمضان أيضاً فرصة للعودة إلى التاريخ، لفهم مسار حضارة إسلامية عريقة، يمكن قراءة كتاب محمد حسين هيكل «الإمبراطورية الإسلامية والأماكن المقدسة»، الذي يقدم قراءة تاريخية لمراحل التوسع الإسلامي، وبلغة تجمع بين السرد والتحليل، يفسح مجالاً لتأمل التاريخ الإسلامي في أبعاده السياسية والحضارية، ويضع الحضارة الإسلامية ضمن سياق شامل لصعود الإمبراطوريات وهبوطها.
وفي ما يخص تاريخ الأندلس، يقدم كتاب «التاريخ الأندلسي: من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة»، للمؤلف عبدالرحمن علي الحجي، قصةَ الأندلس منذ بداية نشأتها حتى سقطت في يد الإسبان، مستعرضاً قوة دولة الأندلس ومقدار انتشارها وسطوتها وكذلك بداية ضعفها وانهيارها وخاصة بعد حكم ملوك الطوائف.
في الجانب الفكري، يقدم محمد عابد الجابري، سلسلة «نقد العقل العربي» يحلل فيها التراث الإسلامي من وجهة نظر نقدية وعقلانية لاستخراج عناصر التقدم، وداعياً إلى نهضة فكرية معتدلة.
يبحث كثير من القراء في رمضان عن نصوص تمنحهم بعداً تأملياً، دون أن يغادروا منطقة السرد الروائي التي اعتادوها، هنا تحضر الرواية ذات النزعة الصوفية الإسلامية كخيار مناسب، لأنها تقدم التجربة الروحية من خلال حكاية وشخصيات، ومن النماذج البارزة في ذلك رواية «بندر شاه» للطيب صالح، التي يتعزز فيها الحضور الصوفي البهي، خاصة مع سيرة بطل الجزء الثاني «مريود»، والذي كان أعجوبة من عجائب الزمان، منذ اختفائه الغامض، وحتى ساعة عودته إلى القرية، وهي سيرة تحفها الأسرار الصوفية، والتحليق في عوالم من المقامات النورانية، والإشراقات، والفيوض الروحانية.

وتقدم رواية «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية أليف شافاق، سردية روحية تتقاطع فيها حكايتان على خطّين زمنيين مختلفين، الحكاية الأولى تدور في الزمن المعاصر حول إيلا، ربة بيت في الأربعين من عمرها تعمل في وكالة نشر وتعيش حياة عائلية رتيبة، تتغيّر تماماً عندما تُكلَّف بقراءة رواية عن جلال الدين الرومي فتقودها القراءة إلى إعادة النظر في حياتها، أما الحكاية الثانية فتعود إلى القرن الثالث عشر، وتتابع علاقة الصوفي شمس التبريزي بجلال الدين الرومي، وكيف حوّل هذا اللقاء الرومي من فقيه تقليدي إلى شاعر وعارف صوفي.
تجربة عشق
يعتبر الشعر الأقرب لروح رمضان، بوصفه محاولة لاستعارة لغة البشر كي تقول شوقاً لا يقال، وتدون حواراً حميماً بين الإنسان وخالقه، وهنا يمكن أن يكون اختيار ديوان شعري، أو قراءات متنوعة مختارة من شعر ابن الفارض أو الحلاج أو جلال الدين الرومي، حيث تختصر القصيدة مسافات طويلة بين القراءة والتأمل.
هذا النوع من الأشعار يعكس تجربة عاشق إلهي يتحدث عن الحب، بلغة رمزية عالية، تشتبك مع فكرة التضحية والفداء والبحث عن الحقيقة، تحمل نبرة حادة أحياناً لكنها تكشف عن عمق تجربة روحية دفعت صاحبها إلى أقصى حدود المجازي، يقرّب اللغة الروحية من القارئ الحديث، عبر مفردات تتحول في القصيدة إلى مفاتيح لأسئلة الوجود والغياب.
أسلوب رقيق
من الخطأ أن نختزل قراءة الأطفال في كتب الترفيه خلال رمضان، بينما يمكن لهذا الشهر أن يكون مناسبة لبناء علاقة مبكرة بين الطفل والمفاهيم الكبرى، كالرحمة والصبر والصدق، من خلال قصص مكتوبة بعناية موجهة للقارئ الصغير، ومن الكتب المناسبة في هذا الباب سلسلة «قصص الأنبياء للأطفال» لكامل كيلاني، التي تعيد سرد بعض القصص القرآني في لغة مبسطة، مع المحافظة على روح النص الأصل، وتقديم قيم واضحة بأسلوب رقيق وشيق. ومن القصص الخفيفة للطفل قصة «عندما دق الباب» للكاتبة تغريد النجار، والذي يتحدث عن الطفلة نغم وصديقتها اللتين تقومان بعدد من فوانيس رمضان بنفس عدد أيام الشهر الفضيل حيث وضعتا أحجية في كل فانوس ومن ثم بعد كل إفطار تقوم العائلة باختيار فانوس وأيضاً تقوم بحل الأحجية، وكتاب «المحبة في رمضان» للكاتبة ميثاء الخياط، الذي يروي فيه بطل القصة الطفل الصغير، عن عادات كل فرد من أفراد أسرته في شهر رمضان الفضيل حيث الأعمال الخيرية، العادات والتقاليد، الأنشطة الفنية وغيرها الكثير من الأعمال، وكتاب «هلال رمضان» للكاتبة خنساء هيتو، والذي يعتبر كتاباً متكاملاً وتعليمياً لبدء الأطفال الصيام وختاماً بالعيد، ويحتوي الكتاب على جدول فيه جميع أيام رمضان حتى يتم تشجيعه على الصيام.
هذه الكتب في مجملها جاءت لتعليم الأطفال الأنشطة الجميلة في شهر رمضان، وإبراز مدى ترابط القيم والعادات الاجتماعية كما تدعو الأطفال إلى احترام وتقبل عادات الآخرين المختلفة وتعزيز حب المشاركة الإنسانية في المناسبات الاجتماعية، ويمكن للأب أو الأم أن يجعل من بعد الإفطار موعداً لحكاية ليلية من هذه الإصدارات، يتبعها حوار قصير مع الطفل حول ما فهمه من القصة.
خريطة
بين كل هذه العناوين وغيرها، والتي تتنوع في طرحها، قد يضيع القارئ إذا لم يضع لنفسه خريطة بسيطة، لا تقوم على الإنجاز الكمي بقدر ما تقوم على الاستمرارية، لذا يمكن مثلاً تقسيم الشهر إلى أربعة محاور، أسبوع لقصص القرآن، أسبوع لسيرة الصحابة أو السيرة النبوية، وأسبوع للتاريخ الإسلامي والأندلسي، وأسبوع أخير للنصوص الفكرية والرويات الصوفية والشعر.
بهذه الطريقة يصبح شهر رمضان موسماً عملياً لاستعادة عادة القراءة، ولتجريب أجناس مختلفة من الكتاب، دون شعور بالضغط أو سباق مع الزمن، فيمكن استغلال ساعات ما قبل الإفطار، والفترة بين المغرب والفجر، لتقليب صفحات قليلة من كتاب جيد، ليصنع القارئ فرقاً حقيقياً في وعيه ووجدانه، مانحاً الشهر المبارك بعداً إضافياً ليكون موسم عبادة بالقلب والعقل معاً.
قبس من السيرة
يعتبر كتاب «حياة محمد» لمحمد حسين هيكل، واحداً من أبرز الأعمال في السيرة النبوية المعاصرة، حيث يعتمد فيه هيكل منهجاً تاريخياً يركز على الجوانب الاستراتيجية والقيادية في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يقسم الكتاب إلى عدة فصول رئيسية، تغطي مراحل حياة الرسول من النشأة في مكة إلى الوفاة في المدينة، مع التركيز على السياقات الاجتماعية التي شكلت مسار الدعوة الإسلامية الأولى، مستنداً إلى مصادر السيرة الكلاسيكية مثل ابن هشام وابن كثير، مع تحليل حديث يشبه الدراسات الاستراتيجية.
يبدأ الكتاب بفصل «الولادة والطفولة»، حيث يصف هيكل نشأة النبي الكريم في بيئة قرشية مضطربة قبل الإسلام، مشيراً إلى أن يتمه وفقدان والديه جعلا منه قائداً طبيعياً، وكيف ساعدت تجارته مع السيدة خديجة بنت خويلد، على إكسابه العديد من المهارات.

ينتقل الكتاب إلى مرحلة البعثة، مبيناً كيف بدأت الدعوة في دائرة ضيقة من الأقارب والمقربين مثل السيدة خديجة وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، بالإضافة إلى الصحابة السابقين بالإيمان برسالته، مع الإشارة إلى التحديات النفسية والاجتماعية، التي واجهتها رسالته أمام رفض قريش للإسلام دين التوحيد، والذي يهدد مصالحها وعقائدها المتوارثة، ثم في فصل «الدعوة العلنية والمقاطعة»، يبرز المؤلف دور الهجرة إلى الحبشة كحركة استراتيجية أولى للمسلمين، وكيف استمرت المقاطعة الاقتصادية لقريش ضد بني هاشم ثلاث سنوات، ما أدى إلى تعزيز تماسك المسلمين رغم المعاناة.
الفصول الوسطى من الكتاب تغوص في حادثة «الإسراء والمعراج»، التي كانت حدثاً عزز المكانة الروحية للنبي محمد عليه السلام، ثم يأتي الكتاب على «الهجرة إلى المدينة»، والتي اعتبرها قراراً عبقرياً حول الدعوة الإسلامية من حركة مضطهدة إلى دولة ناشئة، مع تأسيس دولة الإسلام الأولى التي جمع فيها بين المهاجرين والأنصار واليهود في ميثاق يعد أول وثيقة دستورية في العالم، ويخصص المؤلف فصولاً للمعارك الرئيسية في حياة النبي الكريم، مثل «غزوة بدر»، التي تعد انتصاراً معنوياً وعسكرياً أول، يثبت قوة المسلمين رغم قلة عددهم، ومعركة «أحد» التي مثلت درساً في التنظيم العسكري حيث انهارت الخطوط الخلفية بسبب عصيان الرماة، وغزوة «الخندق» ذروة الدفاع الاستراتيجي عن المدينة المنورة بفضل اقتراح سلمان الفارسي، كما يناقش الكتاب الحدث البارز «فتح مكة»، التي تعد عملية سياسية سلمية حيث دخل الرسول المدينة ب10 آلاف جندي دون قتال، معلناً العفو العام الذي أدخل قريشاً في الإسلام دون إكراه.
في الفصول الأخيرة، يتناول هيكل «حجة الوداع»، حيث أعلن محمد صلى الله عليه وسلم، المساواة بين البشر كافة، ثم يأتي الكتاب على مشاهد وفاة الرسول والخلافة من بعده، مشيراً إلى كيف أدار النبي الموقف رغم مرضه الشديد، إذ قام بتعيين أبي بكر للإمامة في الصلاة والتي يعتبرها دارسو السيرة إشارة رمزية للخلافة.
لعل ما يميز أسلوب هيكل في كتابه هذا لغته السلسة والتحليلية، حيث يصف النبي الكريم كقائد استطاع تحويل قبائل متفرقة إلى أمة موحدة في 23 عاماً، مع التركيز على الجوانب الإنسانية مثل علاقته بزوجاته وأصحابه، ليأتي كتابه مقدماً رؤية شاملة لحياة النبي في الدعوة والقيادة والتغيير الاجتماعي، نبي جمع بين الروحانية والعملية.
رجال ملهمون
كتاب «رجال حول الرسول» للمفكر الإسلامي خالد محمد خالد، والذي يعد عملاً أدبياً وتاريخياً بارزاً يركز على سير 60 صحابياً جليلاً عاشوا مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان لهم الأثر الكبير في المشاركة في نشر الإسلام ودعم الرسالة المحمدية في فترات مهمة من تاريخ الدعوة.
ويهدف الكتاب إلى تقديم نماذج لرجال تحلو بصفات الإيمان، والشجاعة، والتضحية، والإخلاص، مستخدماً أسلوباً سردياً شيقاً يجمع بين القصص والدروس المستفادة من كل مروية عن هؤلاء الرجال، مع الاستناد إلى مصادر تاريخية موثقة كالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وقد كتب المؤلف كتباً منفصلة عن الخلفاء الراشدين الأربعة (أبو بكر، عمر، عثمان، علي)، وهو ما دفعته لاستثناء هؤلاء من «رجال حول الرسول» لتكملة الصورة ب60 صحابياً آخرين. ينقسم الكتاب إلى فصول مستقلة، كل فصل مخصص لصحابي واحد، يغطي نشأته قبل الإسلام، إسلامه، مواقفه البارزة، ودوره في الدعوة والجهاد. يبدأ بتسليط الضوء على شخصية النبي كقدوة جذبت الصحابة بأخلاقه العالية، ثم ينتقل إلى سرد بطولاتهم وتضحياتهم في معارك مثل أحد وبدر، وصبرهم أمام الاضطهاد، ويبرز الكتاب التنوع في الشخصيات من القادة مثل خالد بن الوليد، ومن العلماء مثل معاذ بن جبل، ومن الزهاد مثل أبو ذر الغفاري.

يتناول الكتاب شخصيات مثل: مصعب بن عمير (سفير الإسلام الأول)، سلمان الفارسي (فارس الحقيقة الذي جاب الآفاق بحثاً عن الدين)، أبو ذر الغفاري (رمز الزهد والعدالة)، بلال بن رباح (صوت الأذان الذي تحمل التعذيب)، سعد بن أبي وقاص (قائد الفتوحات)، صهيب بن سنان (الرومي الذي ضحى بماله)، المقداد بن عمرو (أول من سلم بالسيف)، حمزة بن عبد المطلب (أسد الله وسيد الشهداء)، جعفر بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، أبو أيوب الأنصاري، عبد الرحمن بن عوف، وغيرهم حتى سالم مولى أبي حذيفة، وهذه السير تروى في الكتاب بأسلوب حواري، مع التركيز على تحولهم بعد أن أسلموا.
يتميز الأسلوب بالبساطة والجاذبية، تجنباً للإفراط في التفاصيل الجافة، مع استخلاص دروس مثل الصبر، الإخلاص، والشجاعة لتكون قدوة للمسلمين المعاصرين.
شجرة الأسرار
رواية «شجرة العابد» لعمار علي حسن، الصادرة أولاً عن دار نفرو عام 2011 ثم بطبعة ثانية عن دار الشروق، تمثل رحلة صوفية عميقة تتجاوز حدود الرواية التقليدية لتصبح بحثاً روحياً في خفايا النفس البشرية، وقد تميزت الرواية بتركيزها على الفكرة الصوفية، حيث تستلهم أحداثها ضمن خلفية اجتماعية وسياسية لعصر المماليك قبل الاحتلال العثماني عام 1516.
تبدأ الرواية بصوت الشجرة نفسها، التي تتحدث كشجرة المعرفة أو الوجود، محذرة من تثاقل الأسئلة: «لا تجعلوا الأسئلة تثقل رؤوسكم... لم أفصح أبداً عن أسراري إلا لرجل واحد، كان العابد الذي جاءني يفيض عشقاً»، وتحكى قصة عاكف، الطالب الأزهري الذي يثور ضد السلطان الجائر تحت راية الشيخ القناوي، مدفوعاً بفكرة أن العلم من دون عمل لا قيمة له، لكنه يسجن ويهرب إلى التصوف، وتخطف جنية تدعى «نمار» قلبه، فتعيشه ثلاثين عاماً في عالمها السحري، وهي مدة توازي شهراً واحداً على الأرض، حيث يرى نسخاً من الشجرة في البر والبحر والفضاء، الجنية تأخذه في رحلة تبحث عن ورقة تكشف سر الشجرة، التي يطمع فيها الجميع من سلاطين يرونها كنوزاً ثمينة، أمراء يبحثون فيها عن ترياق للأمراض، وبدأوا يتوارثون أسطورتها جيلاً بعد جيل.

عاكف هو البطل المركزي، يتحول من ثائر سياسي إلى زاهد صوفي، حيث يمر ثلاثون عاماً في عالم الجن كشهر واحد على الأرض، مما يُظهر اختلال الزمن: «الزمن في الفضاء البعيد يمر بسرعة، بينما يسير على الأرض في تمهل شديد». «نمار» تمثل الخيال السحري والغيرة الأنثوية، تتركه حين يميل قلبه إلى «حفصة»، الأرملة الصوفية وابنة الحاج حسين.
تتخلل الرواية أقوال ابن عربي مثل «كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه»، وآيات قرآنية، وقد جاء الأسلوب الروائي واقعياً سحرياً يذكّر ب«ألف ليلة وليلة»، مع أوراد صوفية: «من لا يحزن يمت قلبه»، وفلسفة تجمع ابن رشد وابن حزم وابن خلدون.
الرواية في جوهرها تنبئ بالحرية وداعية لتحرير النفس، كما أنها تبرز وحدة الإنسانية بين مختلف الأديان، في قالب سردي تؤكد واقعيتها السحرية.
مرآة القلب
تتخذ رواية «موت صغير» للكاتب السعودي محمد حسن علوان، من سيرة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي مادة رئيسية للسرد، وقد حازت الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» عام 2017، لتكون من أبرز الروايات العربية في العقد الأخير، يقدم علوان الرواية بضمير المتكلم على لسان ابن عربي نفسه، فيحكي سيرته منذ ما قبل ولادته بساعات وحتى لحظة موته، مروراً بمحطات روحية وجغرافية طويلة تمتد من الأندلس والمغرب إلى الحجاز ومصر والشام والأناضول.
تقوم الرواية على مستويين سرديين متوازيين: المستوى الأول هو السيرة الروائية لابن عربي، حيث نتابع طفولته في مرسية بالأندلس في القرن السادس الهجري، ونشأته في أسرة ميسورة، وبدايات مرضه ورؤياه الشهيرة التي يرى فيها قوى الشر تحاول الفتك به قبل أن يظهر شيخ يقرأ عليه سورة يس، فتكون تلك الرؤيا شرارة الرحلة الروحية في حياته، منذ تلك اللحظة ينخرط ابن عربي في مسار صوفي طويل، يبحث فيه عن ركائز الروح، فيسافر بين حواضر العالم الإسلامي، من إشبيليا وقرطبة إلى فاس ومراكش، ومن مكة والمدينة إلى القاهرة وحلب ودمشق، ملتقياً بالعلماء والشيوخ والعامة في سياقات تاريخية مضطربة.

المستوى الثاني للسرد يتتبع رحلة مخطوطة متخيلة لسيرة ابن عربي عبر القرون، بدءاً من عام 610ه تقريباً، ثم انتقالها بين أماكن وشخصيات وأزمنة مختلفة حتى تصل إلى القارئ المعاصر في 2012، مروراً بمحطات مثل أذربيجان وبلاد الأناضول والبلقان ولبنان، هذا الخط الموازي يتيح للرواية أن تربط بين حياة ابن عربي وملامح التاريخ الإسلامي اللاحق، بما فيه من حروب وصراعات وسقوط دول ونهوض أخرى، فيكشف مصير المخطوطة عن هشاشة الذاكرة الثقافية.
يقدم علوان ابن عربي في جميع مراحل حياته، صبياً وفتى وشاباً وكهلاً، ويغوص في تفاصيله النفسية كإنسان مؤمن وعاشق وزوج وأب وصوفي مثير للجدل، متناولاً علاقاته العاطفية، التي تتداخل فيها تجربة الحب مع التجربة الروحية والفكرية.
يتكرر في الرواية «الموت الصغير»، كتعبير مجازي للموتات الروحية المتعددة التي يمر بها الإنسان في طريقه إلى المعرفة والحب الإلهي، فكل مرحلة من مراحل رحلة ابن عربي، من الفقد والمنفى والخذلان، تمثل نوعاً من الفناء الجزئي الذي يمهد لولادة جديدة في الوعي، ومع أن النص يتكئ على معطيات تاريخية وسير ذاتية لابن عربي، فإنه يبقى عملاً تخييلياً يدمج بين الحقيقة والخيال، يعيد تركيب شخصية ابن عربي في قالب روائي معاصر، يجمع بين السرد التاريخي، والبعد الصوفي، والتأمل في مأزق العالم العربي الحديث من خلال مرآة الماضي.



