همزة وصل -
حين يتعلق الامر بقانون يمس حياة ملايين المواطنين ويمتد اثره لعقود، لا يكون السؤال هل نعدّل، بل كيف ولماذا وبأي منهج تشريعي. فالضمان الاجتماعي ليس نصا فنيا عابرا، بل التزام طويل الامد يقوم على الاستقرار والثقة والوضوح.
وعند النظر في مسار قانون الضمان الاجتماعي في الاردن، يلاحظ المشترك ان هذا القانون لم يعرف الاستقرار الذي يفترض ان يرافق قوانين الحماية الاجتماعية.
فمنذ صدوره، خضع لاعادة تشريع وتعديلات جوهرية لا تقل عن خمس مرات رسميا، اضافة الى تعديلات جزئية متكررة، وهو رقم يطرح تساؤلا مشروعا حول منطق التعديل المتواصل في قانون يفترض ان يبقى ثابتا قدر الامكان.
هذه التعديلات لم تكن شكلية، بل مست شروط التقاعد ومدد الاشتراك وآليات الاستحقاق، ما جعل كثيرا من المشتركين يشعرون بان القواعد التي بنوا عليها قراراتهم المهنية والمعيشية لم تعد ثابتة. فالمواطن لا يغير مساره كل بضع سنوات، بينما يتغير القانون الذي يفترض ان ينظم مستقبله.
في مشروع القانون المعدل المطروح لعام 2026، لا تكمن الاشكالية في بند بعينه، بل في استمرار النهج ذاته: تعديل جديد دون تقييم علني كاف لاثر التعديلات السابقة، ودون نقاش وطني مستفيض يطمئن المشتركين الى ان هذا المسار يقود فعلا الى حماية افضل لا الى مزيد من الغموض.
في التجارب المقارنة، تعد قوانين الضمان الاجتماعي من اكثر القوانين استقرارا، لانها تمس حياة الناس على المدى الطويل. وعندما يتم تعديلها، يكون ذلك استثناء مبنيا على توافق واسع، لا قاعدة متكررة تفرضها الضرورة المالية وحدها.
ما يزيد القلق ان هذه التعديلات تطرح في ظل اوضاع اقتصادية ضاغطة وارتفاع في تكاليف المعيشة، ما يجعل اي تغيير في شروط التقاعد او الاستحقاق مسألة حساسة بطبيعتها. والاصل هنا ليس الاستعجال، بل التروي، وليس الاكتفاء بالاسباب الموجبة، بل شرح الاثر الحقيقي على حياة المشتركين.
الاشكالية ليست في نوايا الاصلاح، بل في طريقة ادارته. فالاستدامة المالية هدف مشروع، لكنها لا تتحقق فقط بالحسابات، بل ايضا باستقرار القواعد وبناء الثقة. والقانون الذي يعاد تعديله باستمرار، حتى بحسن نية، يفقد وظيفته كمصدر للطمأنينة.
لذلك، فان المنطق التشريعي السليم يقتضي التوقف عند هذا المشروع بصيغته الحالية، وفتح نقاش حقيقي حوله، يعيد النظر في مسار التعديلات السابقة ونتائجها، قبل اضافة تعديل جديد الى سجل طويل من التغييرات.
فالضمان الاجتماعي لا يحتاج اليوم الى تعديل اخر بقدر ما يحتاج الى استقرار تشريعي يعيد للمشترك ثقته بأن هذا القانون وجد ليحمي مستقبله، لا ليبقيه في حالة انتظار دائم.



