تصريحات السفير الإمريكي النارية هل تعني أن واشنطن بدأت بإعادة رسم حدود المنطقة العربية؟

{title}
د. بسام روبين
همزة وصل   -
​إن القاعدة الدبلوماسية الراسخة تقرر أن السفير هو صدى لأدوات دولته، ولا يمتلك ترف الخروج عن مرسوم سياساتها، فإن فعل وإستمر في منصبه، فإن تصريحاته تصبح تعبيرا رسميا لا يقبل التأويل، وفي عالم السياسة، حين تلوذ العواصم بالصمت تجاه تصريحات إنفجارية لممثليها، فهذا يعني ببساطة أنها مباركة ضمنية ، تهدف لجس النبض وإختبار ردود الأفعال، وبينما ننشغل نحن بالبحث عن مبررات لبعض ممارسات السفير الأمريكي في عمان، يخرج علينا السفير الأمريكي المعين لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بتصريحات عابرة للقارات والحدود في تطور دبلوماسي غير مسبوق، أعاد إحياء شبح مشروع إسرائيل الكبرى ، واضعا الأردن وسوريا ولبنان على طاولة الأطماع التوسعية، وهي تصريحات تزامنت مع نشر خرائط رسمية إسرائيلية مثيرة للجدل، فجرت غضبا عربيا واسعا وفتحت باب التساؤلات الوجودية حول مستقبل التحالفات في المنطقة.
​ففي مقابلة مع الصحفي تاكر كارلسون نشرت في 21 فبراير 2026، سئل هاكابي عن رؤيته لفكرة إسرائيل الكبرى ، المستندة لنصوص توراتية تمتد من النيل إلى الفرات فجاءت إجابته لتنسف عقودا من الدبلوماسية التقليدية حين قال بصدمة ، سيكون أمرا رائعا لو أخذوا كل شيء ، لكنني لا أعتقد أننا نتحدث عن هذا اليوم ، وهو تصريح فهم كإضفاء شرعية أمريكية مستترة لمطالب توسعية تشمل سيادة دول عربية كالأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من السعودية والعراق، مما أثار موجة غضب عارمة، خاصة وأن هذه اللغة الدبلوماسية لم تأتي من فراغ، بل في سياق إستفزازي أكبر يتعلق بنشر وزارة الخارجية الإسرائيلية في يناير 2025 خريطة بعنوان إسرائيل التاريخية ، تلتهم أراضي فلسطين بالكامل مع أجزاء واسعة من دول الجوار، مدعية حقوقا تاريخية تعود لثلاثة آلاف عام، وهو نهج تكرر سابقا حين ظهر الوزير بتسلئيل سموتريتش بجانب خارطة تضم الأردن، مما يؤكد وجود توجه صهيوني مستمر لترويج هذه الرواية التوسعية بدعم من تحالف يميني ديني في واشنطن وتل أبيب.
فتعيين هاكابي، المعروف بآرائه الإنجيلية المتشددة، ليس مجرد زلة لسان أو خطأ بروتوكولي، بل هو إنعكاس لسياسات خطيرة تنتهك بشكل صارخ الأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي الذي يحترم سيادة الدول وحدودها المعترف بها، كما أنها تنسف جهود السلام وتصب الزيت على نار صراع طال أمده، ورغم الإدانات العربية القوية، من السعودية التي حذرت من نوايا الإحتلال، والأردن الذي أكد رفضه العبث بثوابت الأمة، بالإضافة لمواقف قطر ومنظمة التعاون الإسلامي، إلا أن الأمر يتجاوز البيانات، فهو يضع الأمن القومي العربي والجامعة العربية أمام إختبار حقيقي حول القدرة على إتخاذ إجراءات رادعة تمنع تحويل هذه الأوهام إلى سياسة فعلية على الأرض، فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بحدة ، كيف سيكون الرد العربي الرسمي على هذه الإستفزازات القادمة من أعلى المستويات الدبلوماسية الأمريكية؟ وهل ستتحول هذه الخرائط إلى واقع مفروض؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة. والمطلوب دعم تحرك عربي جماعي ، يوازن بين الحكمة والحزم ، فمجلس يحمل إسم السلام لا يجوز ان يلتزم الصمت ،أمام خطاب يقوض أسس السلام ذاته والسؤال المفصلي ، هل سنشهد في الأيام القادمة جس نبض تمهيدا لتحركات أعمق في خرائط النفوذ والتحالفات ؟ فالمنطقه العربيه لم تعد تحتمل مغامرات خرائطيه جديدة ، ولا شعارات عقائديه تدار بعقلية القرون الوسطى ، فأي صمت رسمي عربي او تردد في المواجهه القانونية والسياسية ، قد يفسر قبولا ضمنيا بما يراد تمريره تدريجيا ، مما سيختبر صلابة النظام العربي وقدرته على حماية حدوده وسيادته بالأفعال لا بالأقوال .

حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية
عميد اردني متقاعد
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير