همزة وصل -
لم يعد الفساد مجرد ملف يفتح في أروقة السياسة أو قضية تناقش في نشرات الأخبار، بل أصبح حالة يومية تتسلل إلى تفاصيل حياتنا حتى غدا جزءا من المشهد العام الذي اعتدناه بصمتٍ مخيف.
والمفارقة المؤلمة أننا جميعا نتحدث عنه، نلعنه، نهاجمه، ثم نستثني أنفسنا منه وكأن الفساد دائما هو "الآخر”.
لقد اختزلنا مفهوم الفساد بالرشوة والسرقة واستغلال المنصب، بينما الحقيقة أن الفساد أوسع وأخطر من ذلك بكثير ، فهو يبدأ من البيت قبل المؤسسة، ومن التربية قبل الإدارة، ومن السلوك اليومي قبل القرار السياسي ، فالفساد ليس فقط حقيبة مال تدفع تحت الطاولة، بل قد يكون أبا يعلم ابنه الكذب للنجاة من العقاب، أو موظفا يبحث عن الواسطة بدل الكفاءة، أو شخصا يسعى إلى أقصر الطرق لتحقيق المكاسب دون تعب أو استحقاق.
أليس هذا فسادا تربويا وأخلاقيا واجتماعيا؟
أليست ثقافة "دبر حالك” و”مش أمورك” و”خذ حقك بذكائك” هي البيئة المثالية لتغذية الفساد حتى يتحول إلى أخطبوط يمد أذرعه في كل الاتجاهات؟
لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة أصبح فيها الفاسد نفسه منظرا للأخلاق والوطنية، يرفع الشعارات عن النزاهة والاستقامة بينما يمارس عكسها في الخفاء والأسوأ من ذلك أننا أصبحنا نفصل النتائج عن مقدماتها فنستنكر الانهيار الاقتصادي، لكننا نتسامح مع الغش، ونطالب بالإصلاح بينما نمارس المحسوبية، ونلعن الفساد الكبير ونحن نمارس فساداتنا الصغيرة يوميا دون أي شعور بالذنب.
إن أخطر ما في الأمر أن الفساد لم يعد سلوكا شاذا، بل أصبح عند البعض "تناغما مع الذات”، حتى بدا وكأنه أمر طبيعي أو قدر محتوم، وكأن هذا الخراب الأخلاقي والاجتماعي جاءنا من كوكب آخر وليس من أفعالنا اليومية المتراكمة.
نحن اليوم لا نحتاج فقط إلى قوانين وهيئات رقابية، بل إلى إعادة تأهيل نفسي واجتماعي وأخلاقي ، نحن بحاجة إلى تحرير الإنسان من السجون التي بناها داخل نفسه ، سجون الأنانية، والنفاق، والانتهازية، والخوف، وتقديس المصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يعترف كل فرد بمسؤوليته، لا عندما يتحول الجميع إلى قضاة يوزعون الاتهامات على الآخرين.
وفي ظل هذا الانحدار، أصبحت الثقافة نفسها ضحية للتسطيح والتشويه. فالمشهد اليوم فضائي أكثر منه ثقافيا ، وفضائحيّ أكثر منه معرفيا ، يكفي أن يلتقط البعض بضع كلمات وشعارات من هنا وهناك حتى يتحول خلال دقائق إلى "مفكر” أو "واعظ” أو "خبير”، بينما يغيب الفكر الحقيقي والعلم العميق والمسؤولية الأخلاقية.
إن ما ندفعه اليوم من أثمان باهظة، وما نرزح تحته من أزمات وديون وانقسامات، ليس إلا نتيجة طبيعية لثقافة الاستهلاك والمال السريع والعولمة المتوحشة التي جعلت قيمة الإنسان تقاس بما يملك لا بما يحمل من مبادئ.
فالفساد ليس حادثة عابرة بل ثقافة حين نسكت عنها، وواقع حال حين نتعايش معها، وكارثة وطن حين ندافع عنها أو نمارسها ثم نتظاهر بمحاربتها.
المستشار الإعلامي / جميل سامي القاضي



