همزة وصل - لم تعد الحروب المعاصرة تقتصر على دمار السلاح واعداد الضحايا المباشرين، بل باتت آثارها الصحية تشكل تحديا وجوديا يهدد حياة الملايين. وتكشف المعطيات الميدانية ان استهداف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي يولد كوارث انسانية.
واكد خبراء ان انهيار هذه الخدمات الاساسية يحول المدن ومراكز النزوح الى بيئات خصبة لانتشار الامراض المعدية. وبينت تقارير دولية ان النزاعات المسلحة تسببت في عودة اوابئة كانت تحت السيطرة لسنوات طويلة مضت.
واوضحت دراسات حديثة ان المياه الملوثة وعدم القدرة على توفير النظافة الشخصية يمهدان الطريق امام تفشي الكوليرا. واضاف ان هذه الازمات تجعل المجتمعات المحلية عرضة لمخاطر صحية تتجاوز الحدود الجغرافية وتصبح تهديدا عالميا.
انهيار شبكات المياه خط الدفاع الاول
وتشير منظمة الصحة العالمية الى ان خدمات المياه تمثل خط الدفاع الاول ضد الامراض، وان تدميرها يعني انهيار المنظومة الصحية. وشدد تقرير المنظمة على ان الدول المتاثرة بالنزاعات تتحمل عبء الامراض المعدية عالميا.
وبينت المنظمة ان الحروب تؤدي الى انهيار متزامن لقطاعات الغذاء والطاقة والرعاية الصحية. واكد ان هذا التداخل يخلق ظروفا مثالية لانتشار الفيروسات والطفيليات التي تفتك بالمدنيين، لا سيما الاطفال وكبار السن والنازحين في المخيمات.
واضافت المنظمة ان فقدان الوصول للمياه النظيفة يمنع تعقيم الادوات الطبية، مما يعطل عمل المستشفيات. واوضحت ان اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر المياه الصالحة للشرب يرفع معدلات الوفيات بشكل متسارع في مناطق الصراعات المشتعلة.
الواقع الصحي في قطاع غزة
وكشفت بيانات الامم المتحدة ان اكثر من 85 بالمئة من منشات المياه في غزة خرجت عن الخدمة. وبينت ان القصف ونقص الوقود قلص قدرة الابار الجوفية، مما اجبر السكان على استخدام مياه غير صالحة.
واكدت وزارة الصحة الفلسطينية تسجيل الاف حالات الاشتباه بالامراض الجلدية والمعوية والسحايا. واضاف ان تدمير محطات ضخ الصرف الصحي ادى الى تدفق المياه الملوثة في الشوارع، مما فاقم انتشار الاوبئة بين النازحين في مراكز الايواء.
واوضحت التقارير ان غياب الكهرباء عطل محطات التحلية بشكل كامل، مما جعل الحصول على الماء معركة يومية. وبينت ان ضعف قدرات الرصد الوبائي وتدمير المختبرات يجعل الارقام المعلنة اقل بكثير من الواقع الفعلي.
هشاشة الطفولة امام الامراض
وتحذر المنظمات الدولية من ان الاطفال هم الضحايا الاكثر هشاشة امام انهيار خدمات الصرف الصحي. واكدت ان سوء التغذية المرتبط بالحروب يضعف مناعة الصغار، مما يجعلهم اكثر عرضة للوفاة جراء امراض يمكن الوقاية منها.
واضاف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية ان تداعيات الحرب ستلازم الاطفال طوال حياتهم. وبين ان غياب برامج التطعيم الروتينية نتيجة النزوح المستمر يهدد بمستقبل صحي مظلم للاجيال القادمة في مناطق النزاعات العنيفة.
واكد ان سوء التغذية الحاد لا يقتل فقط، بل يؤثر على النمو الجسدي والقدرات الذهنية للطفل. واوضحت البيانات ان انخفاض معدلات التحصين ضد شلل الاطفال والحصبة يفتح الباب امام كوارث صحية لا يمكن تداركها لاحقا.
عودة شلل الاطفال والامراض المنسية
وكشفت السلطات الصحية عن رصد فيروس شلل الاطفال في مياه الصرف الصحي داخل غزة. وبينت ان هذا التطور الصادم يعكس انهيار البيئة الصحية، مما يستدعي تدخلا دوليا عاجلا لمنع تفشي الوباء بين السكان.
واكد خبراء الصحة العامة ان ظهوره يرتبط مباشرة بتلوث المياه والاكتظاظ السكاني ونقص التطعيمات. واضاف ان غزة باتت مهيأة ايضا لتفشي الكوليرا، مما يضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته تجاه حماية المدنيين من هذه الاخطار.
واوضحت التحذيرات الاممية ان الاطفال غير المحصنين يواجهون خطرا محدقا في كل لحظة. وبينت ان استمرار الظروف الراهنة يعني ان امراض الماضي قد تعود بقوة، وهو ما يمثل تحديا كبيرا للكوادر الطبية المنهكة في الميدان.
السودان ومواجهة الكوليرا
واظهرت بيانات اليونيسيف ان الحرب في السودان دمرت مرافق المياه في 13 ولاية. واكدت ان تراجع كفاءة هذه المرافق بنسبة 70 بالمئة جعل ملايين السكان يعتمدون على مصادر مياه ملوثة وغير امنة للاستهلاك.
واضافت السلطات السودانية ان ثلاث موجات من الكوليرا ضربت البلاد منذ اندلاع القتال. وبينت ان انقطاع الكهرباء عن محطات الضخ كان سببا رئيسيا في وفاة المئات، خاصة في ولاية النيل الابيض والمناطق المكتظة بالنازحين.
واوضحت الاحصائيات ان عشرات الالاف من حالات الاشتباه بالكوليرا سجلت في مختلف الولايات. واكدت ان قائمة الامراض لا تتوقف عند هذا الحد، بل تشمل الملاريا وحمى الضنك والتهاب الكبد الوبائي والدفتيريا التي تهدد حياة الملايين.
الحرب البيولوجية غير المباشرة
وكشفت مراجعة علمية شملت الاف الدراسات ان الحروب ترتبط بعودة امراض خطيرة مثل الايبولا والسل. واكدت ان تدمير البنية التحتية والنزوح واكتظاظ المخيمات تعد عوامل رئيسية تجعل مناطق النزاع بؤرا مثالية لانتشار الاوبئة الفتاكة.
واضاف المتخصص في اقتصاديات الصحة ان استهداف المياه يحولها الى قناة لنقل الامراض، وهو ما يشبه الحرب البيولوجية غير المباشرة. وبين ان غياب المياه النظيفة يمنع ابسط ممارسات النظافة، مما يفاقم التلوث البيئي بشكل كبير.
واوضحت الدراسة ان تراكم النفايات وانتشار القوارض في مناطق الحروب يعززان من فرص انتقال العدوى. واكد ان هذه الممارسات لا تهدف فقط لقطع الخدمات، بل لخلق بيئة غير قابلة للحياة تساهم في ابادة جماعية صامتة.
مخاطر تتجاوز الحدود
واكد خبراء ان الاوبئة لا تعترف بالحدود الوطنية وقادرة على الانتشار عبر حركة النزوح والهجرة. واضاف ان جائحة كوفيد كانت درسا قاسيا حول سرعة تحول الازمات المحلية الى تهديدات عالمية تستوجب تكاتف الجهود الدولية للحد منها.
وبينت التحذيرات ان تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة يسهمان في زيادة الحشرات الناقلة للملاريا. واكدت ان السودان يواجه مخاطر انتقال هذه الامراض الى دول الجوار بسبب اتساع حركة النزوح وضعف انظمة الرصد الصحي الاقليمية.
واوضحت التجارب ان اثار انهيار الصحة لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر لعقود طويلة. واكد ان العالم يواجه اليوم شكلا جديدا من الحروب، حيث تتحول المياه والجوع والاوبئة الى اسلحة اكثر فتكا من الرصاص.



