همزة وصل - كشفت أزمة سفينة الرحلات هونديوس الاخيرة عن حقيقة صادمة مفادها ان البحار لا تزال تمثل بيئة خصبة لانتشار الاوبئة الفتاكة رغم التطور التقني والطبي الكبير الذي يشهده العالم في الوقت الراهن.
واظهرت الحادثة التي شهدت عزل السفينة في عرض المحيط بعد ظهور اصابات بفيروس هانتا ان العالم عاد مجددا الى مربع الخوف الاول من الامراض التي تنتقل عبر المسطحات المائية والرحلات البحرية.
واكد المؤرخ فرانسوا دريمو ان ما حدث ليس استثناء تاريخيا بل هو امتداد لسلسلة طويلة من الازمات الصحية التي بدات منذ طاعون مرسيليا حين عجزت الانظمة عن احتواء العدوى القادمة من الشرق.
تاريخ الاوبئة العابرة للمحيطات
وبين دريمو ان السفن كانت تاريخيا فضاءات مغلقة تسمح بتفشي الامراض بسرعة كبيرة مما دفع المجتمعات القديمة الى ابتكار انظمة الحجر الصحي البحري للحد من وصول الاوبئة الى المدن الساحلية والاراضي المكتظة.
واضاف ان وجود طبيب على متن السفن اصبح ضرورة ملحة منذ منتصف القرن التاسع عشر بعد ان ادركت الدول ان السيطرة على الامراض تبدا من الموانئ قبل ان تتسرب الى الداخل وتدمر الاقتصادات.
واوضح ان مراكز مثل ايليس ايلاند لعبت دورا محوريا في فحص المهاجرين واكتشاف الامراض مبكرا مما ساهم في حماية المجتمعات من كوارث صحية محققة كانت تهدد الامن القومي للدول في تلك الحقبة.
السياسة في مواجهة الاوبئة
وشدد الكاتب على ان الصحة البحرية تحولت عبر التاريخ الى اداة سياسية لفرض النفوذ حيث استخدمت القوى العظمى الرقابة الصحية كذريعة لحماية مصالحها التجارية وفرض هيمنتها على الممرات المائية الحيوية حول العالم.
واشار الى ان رفض استقبال السفن المنكوبة في الوقت الحالي يعكس استمرار هذا المنطق السياسي اذ لا تقتصر القرارات على الجوانب الطبية فقط بل تمتد لتشمل مفاهيم السيادة الوطنية والخوف من فقدان السيطرة.
وذكر ان ظهور الامراض اليوم يختلف عن الماضي بسبب سرعة الطيران الا ان الرحلات البحرية الطويلة تظل استثناء يعيد للاذهان سيناريو الفيروس الذي يتفجر في عرض البحر بعيدا عن اي رعاية طبية.
دور الطبيب البحري والعدو التاريخي
وبين ان دور طبيب السفينة يظل جوهريا في التعامل مع الازمات التي تتطلب مهارات مركبة تجمع بين الطب وعلم الاوبئة والقدرة على ادارة اللوجستيات في ظروف استثنائية ومعقدة للغاية داخل السفينة.
واكد ان الفئران ظلت العدو التاريخي للسفن حيث كانت الناقل الاول للطاعون وغيره من الاوبئة مما دفع الملاحين لابتكار حواجز معدنية واجراءات تعقيم صارمة لمنع القوارض من الصعود الى متن المراكب.
وكشف ان حادثة هونديوس تمثل مرآة كاشفة تعكس عودة العالم الى اساليب قديمة في مواجهة المخاطر مثل العزل والاغلاق مما يثبت ان البشرية لا تزال هشة امام الامراض مهما تقدمت التكنولوجيا والعلوم.



