همزة وصل -
حوار: مريم عوض
لماذا تعلق الجمهور بـ«لعبة جهنم»؟ وهل كان سر النجاح في واقعية الحكاية أم في لعبة الشد والجذب التي فرضتها الأحداث؟ أسئلة كثيرة يفتحها مسلسل «لعبة جهنم»، الذي اقترب من عالم الجريمة من زاوية نفسية، مستندًا إلى واقعة حقيقية، ليضع المشاهد أمام شخصيات لا يمكن الحكم عليها من أفعالها فقط، وإنما من دوافعها والظروف التي صنعتها.
وسط هذه الأجواء، قدم الفنان باهر النويهي شخصية ضابط مباحث، في تجربة تطلبت منه الاقتراب من عالم التحقيق والجريمة، ليس باعتبار الشخصية مجرد ضابط يؤدي وظيفته، وإنما باعتبارها إنسانًا له طريقة تفكير ومشاعر وردود أفعال تجاه المواقف والشخصيات التي يواجهها.
وفي حواره مع «همزة وصل»، يكشف باهر النويهي كواليس تحضيره للدور، وما تعلمه من جلساته مع عدد من ضباط المباحث، ويتحدث عن سر ارتباطه بالجانب النفسي في الشخصيات، ورؤيته للشخصيات التي لعبت «اللعبة» الحقيقية، كما يكشف موقفه من نجاح العمل وخطر تكرار نفسه، ولماذا يبحث دائمًا عن أدوار مختلفة، مؤكدًا أن أكثر ما يشغله كممثل هو البحث عن «الإنسان الذي يقف وراء الفعل».
ويقول النويهي إن الجمهور أحب «لعبة جهنم» بالفعل، لأن العمل يتحدث عن شيء حدث في الحقيقة، موضحًا أن المؤلف سامح سند رصد واقعة حقيقية وصعبة تتعلق بالـ«ديب ويب» والأشياء التي لا يُسمح بحدوثها، بينما قدمها المخرج إسلام خيري في صورة درامية جذابة وقريبة جدًا من الواقع.
ويرى أن الشخصيات نفسها كانت من أهم أسباب قوة العمل، لأنها كُتبت بصورة حقيقية، مشيرًا إلى شخصية محمد فراج الذي قدم شخصية الشيخ الملتزم وفي الوقت نفسه نصاب، إلى جانب شخصية الشاب العبقري الذي يعاني من مشكلات نفسية ويستدرج أشخاصًا طيبين لارتكاب الجرائم وتصويرها وبيعها.
ويؤكد النويهي أن «اللعبة» الحقيقية لم يكن أبطالها الممثلين، وإنما الشخصيات الحقيقية التي ارتكبت هذه الأفعال، بينما جاء دور الدراما في نقل هذه الحالات إلى الجمهور والتأكيد على أن مثل هذه الوقائع يمكن أن تحدث بالفعل، حتى يرى المشاهد ما حدث ويتعلم منه ويحاول اختيار الطريق الصحيح.
ويضيف أن هذا الأمر يفرق معه كثيرًا، لأن أهم شيء بالنسبة إليه أن يصل العمل إلى الناس ويجعلهم يفكرون، معتبرًا أن قيمة التجربة الفنية لا تتوقف عند المشاهدة، وإنما فيما تتركه داخل الجمهور من أسئلة وأفكار.
ويشير إلى أن الشخصيات الحقيقية هي التي كانت تلعب اللعبة بالفعل، بينما كان دور الممثلين محاولة فهم هذه اللعبة ونقلها إلى الجمهور، الذي وجد نفسه بدوره يحاول اكتشاف «مين بيلعب بمين».
ويعتبر أن هذه النقطة كانت من عناصر قوة الحكاية، لأن المشاهد لم يكن أمام لعبة خيالية بالكامل، وإنما أمام شيء له أصل حقيقي، يرى خلاله كيف دخلت كل شخصية إلى اللعبة وكيف أثرت في الشخصيات الأخرى.
وعن شخصية ضابط المباحث، يكشف النويهي أنه حضّر لها بطريقة مختلفة، من خلال الجلوس مع عدد من أصدقائه من ضباط المباحث، ومن بينهم محمد بيه هندي، الذي ساعده كثيرًا في فهم مفاتيح الشخصية وطريقة تفكيرها، وكيفية تعاملها مع المجرم، وكذلك كيفية التعاطف مع شخص موجود في أزمة.
ويؤكد أن هذه التفاصيل كانت مهمة جدًا بالنسبة إليه، لأن الشخصية لم تكن بالنسبة له مجرد ضابط يحقق في قضية، وإنما كان يريد فهم طريقة تفكيره وردود أفعاله، وكيف ينظر إلى الأشخاص الموجودين أمامه.
ومع تطور عملية التصوير، يوضح النويهي أن من أجمل لحظات التمثيل بالنسبة إليه هي اللحظة التي تبدأ فيها الشخصية في امتلاك وجودها الخاص، قائلًا إن الممثل في البداية يحاول قيادة الشخصية، لكن في مرحلة معينة يشعر بأنها بدأت تفرض عليه منطقها وطريقتها الخاصة.
ولا يرى النويهي أن كشف الشخصية من خلال الأحداث سبب يدفعه إلى حذف مشهد، مؤكدًا أنه يحب أن تتكشف الشخصية من خلال التفاصيل، وأنه يميل دائمًا إلى الجانب النفسي، ويحب أن يترك مساحة للمشاهد حتى يفسر ويكتشف بنفسه.
ويرى أن نجاح «لعبة جهنم» جاء نتيجة اجتماع أكثر من عامل، أهمها تقديم شيء جديد والاستناد إلى واقعة حقيقية، موضحًا أن الجمهور عندما يعرف أن هذا النوع من الأحداث حدث بالفعل، يصبح ارتباطه بالحكاية مختلفًا، خصوصًا عندما يرى القصة والشخصيات بتفاصيل أعمق مما قد يكون شاهده في الأخبار أو في القضية نفسها.
وعن النجاح وما يفرضه على الممثل من تحديات، يؤكد النويهي أنه يفضل دائمًا تقديم شخصيات وأفكار مختلفة، لأن كل شخصية تمنحه طريقة تفكير وحالة وصوتًا مختلفًا.
ويشير إلى أن تقديمه شخصية ضابط مباحث في «لعبة جهنم» جاء مختلفًا تمامًا عن الشخصية التي قدمها في العمل السابق خلال رمضان، والتي كانت لشخصية متلاعب ومبتز، معتبرًا أن الانتقال بين الشخصيتين كان مهمًا بالنسبة إليه، وأنه استمتع بالانتقال من شخصية بهذا الشكل إلى شخصية ضابط يبحث عن الحق.
ويؤكد أنه لا يحاول الهروب من نجاح شخصية سابقة، ولا يسعى في الوقت نفسه إلى تكرارها، وإنما يبحث دائمًا عن الشخصية الجديدة التي يستطيع من خلالها اكتشاف منطقة مختلفة في نفسه كممثل.
ويكشف النويهي أن رؤيته للحكاية قد تكون مختلفة إذا نظر إليها من زاوية شخصيته فقط، لأنه بطبيعته يميل إلى البحث في «سايكولوجي» الشخصيات، وما الذي أوصلها إلى الحالة التي أصبحت عليها، وما الذي حدث بداخلها حتى تحولت بهذا الشكل.
ويشير إلى أن جزءًا من هذه الأسئلة موجود بالفعل في العمل، لكنه كممثل يحب أن يذهب إلى منطقة أعمق في دوافع الشخصية ونفسيتها، حتى لو لم يكن ذلك مطلوبًا بشكل مباشر، مؤكدًا: «أنا بحب أشوف الإنسان اللي ورا الفعل، مش الفعل بس».
وعن تأثير التجربة عليه، يقول إنه لا يشعر بأن «لعبة جهنم» أحدثت تغييرًا جوهريًا في شخصيته، موضحًا أنه ما زال الشخص نفسه، وإن كانت التجربة قد منحته أفكارًا جديدة وجعلته يرى بعض الأمور بشكل مختلف فيما يتعلق بالسرد وطريقة التفكير.
ويؤكد أنه يحاول في كل مرة الوصول إلى الشخصية بأكبر قدر ممكن، بأفكارها ومشاعرها وأخلاقها ومبادئها، موضحًا أن كل شخصية يخرج منها وهو يحمل شيئًا جديدًا.
وربما الأكثر تأثيرًا بالنسبة إليه أن الشخصية أحيانًا تترك فيه أكثر مما يأخذ منها، لأنها تجعله يرى جوانب في الإنسان وفي نفسه لم يكن يلاحظها من قبل.
وفي النهاية، يرى باهر النويهي أن السؤال الأهم الذي تتركه «لعبة جهنم» لا يتعلق بالجريمة وحدها، وإنما بالإنسان نفسه، وكيف يمكن للظروف والاختيارات أن تغيره وتدفعه إلى مكان لم يكن يتخيل يومًا أنه يمكن أن يصل إليه.
ويؤكد أن هذه المنطقة هي أكثر ما يجذبه إلى التمثيل، لأن الممثل لا يقدم الفعل فقط، وإنما يحاول فهم الإنسان الذي قام به، والدوافع التي كانت بداخله، والظروف التي شكلته.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن ليس من الضروري أن تمتلك كل شخصية إجابة واضحة، لأن قوة بعض الشخصيات تكمن في قدرتها على ترك سؤال مفتوح أمام الجمهور، بحيث يرى كل مشاهد الحكاية من زاويته الخاصة.



