همزة وصل -
القاهرة : مريم عوض
لم يكن تكريم الفنانة منى زكي بجائزة الإنجاز الإبداعي في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مجرد احتفاء باسم لامع في سماء الفن المصري، بل كان مناسبة لاستعادة مسيرة فنية امتدت لنحو ثلاثة عقود، خاضت خلالها تجارب متنوعة، وقدمت شخصيات تركت بصمتها في ذاكرة الجمهور، لتؤكد أن قيمة الفنان لا تُقاس بعدد الأعمال التي يقدمها، بقدر ما ترتبط بقدرته على التطور ومواجهة التحديات واختيار الأدوار التي تضيف إلى رصيده الفني والإنساني.
على مسرح مهرجان الجونة، بدت لحظة التكريم محملة بمشاعر تتجاوز فرحة الحصول على جائزة؛ إذ لم تتمالك منى زكي دموعها وهي تعبر عن امتنانها، في مشهد عكس جانبًا إنسانيًا من رحلتها الطويلة. وجاء منحها جائزة الإنجاز الإبداعي تقديرًا لإسهاماتها في السينما المصرية والعربية، ولتجربة فنية لم تحصر نفسها في قالب واحد، بل تنقلت بين الكوميديا والدراما والأعمال ذات الطابع الإنساني، مع حرص واضح على خوض تحديات جديدة في مراحل مختلفة من مشوارها.
ولعل أبرز ما يمنح هذه اللحظة أهميتها أن منى زكي لم تصل إلى مكانتها من خلال شخصية واحدة أو مرحلة بعينها، وإنما عبر تراكم تجارب صنعت ملامح نجوميتها تدريجيًا. فمنذ بداياتها المسرحية، وصولًا إلى حضورها السينمائي والتليفزيوني، استطاعت أن تنتقل من أدوار الفتاة الشابة القريبة من الجمهور إلى شخصيات أكثر تعقيدًا، تتطلب قدرًا من النضج والقدرة على التعبير عن التناقضات الداخلية للإنسان.
كانت مشاركتها في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة» أمام أحمد زكي وسناء جميل محطة مهمة في بدايات حضورها السينمائي، ثم جاءت أعمال مثل «صعيدي في الجامعة الأمريكية» و«الحب الأول» لتضعها في دائرة نجوم جيلها، وتمنحها انتشارًا جماهيريًا واسعًا. غير أن التحدي الحقيقي لم يكن في الحفاظ على هذا الانتشار فحسب، وإنما في ألا تتحول النجومية إلى قيد يفرض عليها تكرار الشخصيات نفسها، وهو ما جعل تنوع اختياراتها اللاحقة عنصرًا أساسيًا في تشكيل صورتها الفنية.
ومع مرور السنوات، اتجهت منى زكي إلى مساحات أكثر اختلافًا، فكانت مشاركتها في فيلم «أيام السادات» تجربة ذات طبيعة خاصة، بينما قدمت في «دم الغزال» و«احكي يا شهرزاد» أدوارًا تضع الشخصية الإنسانية في مواجهة أسئلة المجتمع والواقع. وفي «أسوار القمر» خاضت تجربة درامية مختلفة، ثم جاء فيلم «رحلة 404» ليقدمها في شخصية غنية بالتناقضات، تضعها أمام صراع أخلاقي ونفسي، وتكشف عن قدرتها على حمل حكاية لا تعتمد على الصورة التقليدية للبطلة.
أما «الست»، الذي تناول سيرة أم كلثوم، فمثّل محطة أخرى في مسيرتها، نظرًا إلى ثقل الشخصية التي تتناولها التجربة وحضورها الاستثنائي في الوجدان العربي. فالتعامل مع شخصية بحجم أم كلثوم لا يتوقف عند محاكاة الملامح أو الأداء، بل يرتبط بتقديم قراءة فنية لشخصية عامة تركت أثرًا ممتدًا في الثقافة والموسيقى العربية.
وإذا كانت بعض الأدوار تمنح الفنان شعبية سريعة، فإن أدوارًا أخرى تضعه أمام اختبارات أكثر صعوبة، لأنها تفتح باب المقارنة والنقاش وتفرض عليه مسؤولية مضاعفة. ومنى زكي عرفت هذا النوع من التحديات، إذ ارتبط عدد من اختياراتها بجدل جماهيري ونقدي، لكن هذا الجدل نفسه يوضح أن مسيرتها لم تخلُ من المخاطرة، وأنها لم تتعامل مع صورتها أمام الجمهور باعتبارها مساحة ينبغي أن تظل ثابتة إلى الأبد.
ولا يمكن قراءة تجربتها بعيدًا عن قدرتها على التحرك بين السينما والتليفزيون والمسرح، والعمل مع أجيال مختلفة من النجوم والمخرجين والكتاب. فقد تعاونت مع أسماء بارزة في الصناعة، واستفادت من اختلاف المدارس الفنية التي عملت معها، وهو ما أتاح لها تقديم شخصيات متعددة، لا تتشابه بالضرورة في دوافعها أو ظروفها أو طريقة تعبيرها عن مشاعرها.
ومن الزوايا المهمة في تجربة منى زكي أن نجاحها لا يرتبط فقط بقدرتها على أداء الأدوار، وإنما أيضًا بوعيها بأن الاستمرار في مهنة التمثيل يحتاج إلى التجدد. فالفنان الذي يكتفي بما حققه في بداياته قد يحتفظ بشهرته، لكنه يخاطر بفقدان قدرته على مفاجأة الجمهور. أما التجربة التي تواصل طرح أسئلة جديدة، وتقبل الدخول إلى مناطق غير مألوفة، فإنها تظل مفتوحة على احتمالات مختلفة مهما امتد عمرها.
وخلال الاحتفاء بها في الجونة، وجهت منى زكي رسالة إلى الشباب بشأن عدم السماح للخوف بالسيطرة على قراراتهم، وهي رسالة تتصل بمعنى أوسع في حياة الفنان؛ فالمسيرة الطويلة ليست طريقًا خاليًا من القلق أو التردد، بل قد تكون سلسلة من القرارات الصعبة التي تتطلب الشجاعة والاستعداد لتحمل نتائج الاختيار. ومن هنا، اكتسب حديثها عن مخاوفها وتجاربها جانبًا من الأهمية، لأنه قدم النجمة بعيدًا عن الصورة اللامعة التي تظهر على الشاشة أو السجادة الحمراء.
كما حملت ردود الفعل على تكريمها دلالة على حضورها داخل الوسط الفني، إذ هنأها الفنان أحمد السقا، وأشاد عدد من الفنانين بمشوارها وقدراتها، فيما تحدث الفنان حسين فهمي عن استحقاقها للتقدير ومحبة الجمهور. وتكشف هذه التفاعلات عن جانب من مكانة منى زكي المهنية، التي لم تتشكل في عزلة، وإنما عبر سنوات من العمل والتعاون والتجارب المشتركة داخل صناعة السينما المصرية.
في النهاية، يظل تكريم منى زكي في مهرجان الجونة محطة للاحتفاء بما أنجزته، لكنه يفتح أيضًا بابًا للتأمل في طبيعة النجاح الفني نفسه. فليس كل فنان يحافظ على حضوره قادرًا على تجديد أدواته، وليس كل نجم جماهيري يختار الأدوار التي تضعه أمام اختبارات حقيقية. وبين الشعبية والاختيار، وبين الخوف والمغامرة، بنت منى زكي مسيرة تحمل محطات متعددة، وتؤكد أن الإنجاز الإبداعي لا يعني الوصول إلى نهاية الطريق، بل امتلاك القدرة على مواصلته برغبة متجددة في اكتشاف ما لم يُقدَّم بعد.
إن جائزة الجونة ليست مجرد تتويج للماضي، بل اعتراف برحلة لا تزال قابلة لإضافة فصول جديدة؛ رحلة تظل قيمتها الحقيقية في الأدوار التي تترك أثرًا، والأسئلة التي تثيرها، والقدرة على جعل الشخصية السينمائية أكثر من مجرد أداء عابر على الشاشة.



