همزة وصل -
القاهرة :مريم عوض
في الدراما الحقيقية، لا تبدأ الحكايات دائماً من لحظة واضحة، ولا تُكشف الأسرار لمجرد أن نبحث عنها؛ فبعض العوالم تفتح أبوابها على مهل، وتترك خلف كل مشهد سؤالاً، وخلف كل إجابة احتمالاً جديداً. ومن هذه المساحة الملتبسة بين الحقيقة والغموض، يستعد الفنان السعودي عبد المحسن النمر للعودة إلى الشاشة من خلال مسلسل «ليل خرمس»، المقرر انطلاق عرضه في الرابع من نوفمبر المقبل، في تجربة درامية تراهن على التشويق، وتستحضر ذاكرة البيئة الشعبية الخليجية بما تحمله من موروث وحكايات وأسرار تتجاوز ظاهر الأشياء إلى ما تخفيه النفوس.
وكشف عبد المحسن النمر عن العمل عبر حسابه الرسمي على «إنستغرام»، موضحاً أن المسلسل يتكون من عشر حلقات، وينتمي إلى الدراما التشويقية القصيرة التي تتكئ على تكثيف الأحداث وتصاعد الإيقاع، وتمنح الغموض دوراً أساسياً في تشكيل الحكاية. وقد اختار النمر أن يثير فضول جمهوره بعبارة تحمل دلالة تتجاوز الإعلان عن موعد العرض، قائلاً: «كل يوم هو انطلاقة جديدة لعالم مختلف، حتى لو كان (ليل خرمس)»، وكأن هذا العالم الجديد لا يدعو المشاهد إلى متابعة قصة فحسب، بل إلى الدخول في مساحة تتشابك فيها الأسئلة، وتتوارى فيها الحقائق خلف طبقات من الحكايات التي لا تكشف عن أسرارها دفعة واحدة.
وتكمن خصوصية «ليل خرمس» في استلهامه الفلكلور والبيئة الشعبية الخليجية، وهي مساحة غنية لا تقتصر أهميتها على استحضار تفاصيل المكان أو استعادة ملامح الماضي، بل تمتد إلى ما يختزنه التراث من تصورات ومخاوف وذاكرة جمعية، وما يتركه الزمن في الوعي الإنساني من حكايات تتناقلها الأجيال، وتتغير دلالاتها مع اختلاف الأزمنة. فالتراث، حين يتحول إلى مادة درامية حية، لا يعود مجرد خلفية للأحداث، وإنما يصبح جزءاً من روحها، ومفتاحاً لفهم الشخصيات وعلاقاتها، ومصدراً للتوتر بين ما يعرفه الناس وما يخفونه، وبين ما يبدو حقيقة وما قد يكون مجرد وجه من وجوهها.
ويشارك عبد المحسن النمر بطولة المسلسل نخبة من الفنانين، تضم هدى حسين، وأمل عرفة، وغادة الزدجالي، وعبد الرحمن بن نافع، ومصعب المالكي، في عمل كتبه محمد شمس، ويتولى إخراجه معتز حسام، بإنتاج وإشراف عام من علي العلي. ويأتي هذا التعاون في إطار تجربة تعتمد على الغموض بوصفه عنصراً بنائياً في الحكاية، لا مجرد وسيلة عابرة لإثارة الفضول، إذ تتوالى الأحداث وتتسارع المفاجآت، بينما تظل تفاصيل القصة محاطة بالتكتم، في انتظار أن يكشف العرض عن طبيعة العالم الذي نسجه صناع المسلسل، وعن الأسرار التي تحرك شخصياته وتحدد مصائرها.
وفي مثل هذه الأعمال، لا تنبع قوة التشويق من إخفاء المعلومات وحده، بل من قدرة الحكاية على جعل المشاهد يعيد النظر فيما يراه، ويشكك في أحكامه الأولى، ويكتشف أن الحقيقة قد لا تكون بالبساطة التي تبدو عليها. فالغموض، في جوهره، ليس غياباً للحقيقة بقدر ما هو رحلة شاقة نحوها؛ رحلة تتغير خلالها الأسئلة، وتتبدل فيها مواقع الشخصيات، وتنكشف تدريجياً المسافات الفاصلة بين الظاهر والباطن. ومن هنا، يكتسب «ليل خرمس» رهانه الدرامي، إذ يجمع بين البيئة الخليجية بما تحمله من خصوصية ثقافية، وبين بنية تشويقية تتيح للحدث أن يتجاوز حدود المفاجأة إلى احتمالات أعمق تتصل بالإنسان وذاكرته وأسراره.
ويأتي هذا المشروع بعد مسلسل «حبتين»، الذي شهد أحدث حضور درامي لعبد المحسن النمر، وجسد خلاله شخصية ناصر، إلى جانب نايف البحر، وفيصل الزهراني، وريم العلي، وعايدة القصي، وعبد الله متعب، وسعيد صالح. والعمل من تأليف وإخراج أحمد ندا، فيما تولى الفوز طنجور مهمة الإخراج، وقد قدم تجربة قصيرة امتدت لعشر حلقات، جمعت بين الدراما والأكشن والجريمة، في إيقاع متسارع وضع الشخصيات أمام اختبارات قاسية ومواقف تتشابك فيها الرغبات بالمخاطر، وتصبح القرارات الصغيرة قادرة على تغيير مسارات الحياة بأكملها.
وتدور أحداث «حبتين» حول أحمد، الذي يخرج من السجن بعد حادث مميت تسبب في وفاة شقيقه، ليجد نفسه منساقاً إلى عرض غامض يورطه في عالم الجريمة وتجارة المخدرات وسباقات السرعة المعروفة باسم «التفحيط». ومن خلال هذه الأحداث، يقترب العمل من منطقة شائكة في التجربة الإنسانية، حيث لا ينفصل الماضي عن الحاضر، ولا تأتي البدايات الجديدة بالضرورة محمّلة بالخلاص؛ فقد يخرج الإنسان من السجن، لكنه يظل أسير ما تركته التجربة داخله، وقد يظن أنه بدأ حياة أخرى، بينما يجد نفسه أمام اختبارات تعيد فتح أبواب لم يتمكن من إغلاقها.
وقد أعرب النمر عن سعادته بما حققه «حبتين» من نجاح، في تجربة قدمت جرعة درامية مكثفة خلال عشر حلقات، واستندت إلى تداخل الجريمة والحركة والصراع النفسي. ويكشف الانتقال من هذا العمل إلى «ليل خرمس» عن تنوع في المساحات الدرامية التي يحضر فيها الفنان، من عالم تحكمه المخاطر المباشرة وتداعيات الجريمة، إلى عالم تستمد فيه الحكاية قوتها من الغموض والأسرار والذاكرة الشعبية. وهو اختلاف في طبيعة العالم الدرامي، يفتح المجال أمام تجربة جديدة تتشكل ملامحها من خلال تفاعل النص والرؤية الإخراجية وأداء الممثلين.
إن قيمة التجارب الدرامية لا تُقاس فقط بعدد حلقاتها أو حجم المفاجآت التي تتضمنها، بل بقدرتها على ترك أثر يتجاوز لحظة المشاهدة، ويمنح الحكاية معنى قابلاً للتأمل بعد انطفاء الشاشة. وبين «حبتين» و«ليل خرمس»، يواصل عبد المحسن النمر حضوره في أعمال تتباين في موضوعاتها وأجوائها، لكنها تلتقي عند مساحة الصراع الإنساني وما يحيط بالشخصيات من أسرار وتحولات. وفي العمل الجديد، يبدو الرهان متجهاً نحو استثمار خصوصية البيئة الخليجية في بناء عالم تشويقي تتقدم فيه الحكاية عبر الأسئلة، وتتراكم فيه الدلالات خلف التفاصيل.
ومع اقتراب موعد عرض «ليل خرمس» في الرابع من نوفمبر المقبل، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بقدرة العمل على تحويل عناصر الغموض والتراث إلى تجربة درامية متماسكة، لا تكتفي بإثارة الفضول، بل تمنح المشاهد حكاية تستحق الاكتشاف والتأمل. فبعض الليالي لا تخفي الأحداث فحسب، بل تكشف عن وجوه لم نكن نعرفها، وبعض الحكايات لا تبدأ حين تُروى، وإنما حين ندرك أن ما نراه ليس سوى جزء من الحقيقة. وفي هذا العالم الذي يحمل اسم «ليل خرمس»، تتقدم الدراما نحو منطقة تتجاور فيها الذاكرة بالمجهول، ويصبح انتظار انكشاف الأسرار جزءاً من متعة الرحلة نفسها.



