حسين المهدي يروّج لأحدث أعماله الفنية «الحضّانة»... حين تتحوّل العائلة إلى سؤال فلسفي عن الحبّ والخوف والحقيقة

{title}
همزة وصل   -

القاهرة :مريم عوض 

في عالم الفنّ، لا تكون بعض الملصقات مجرّد صور ترويجية لعملٍ ينتظر عرضه، بل تتحوّل إلى نوافذ مواربة تكشف شيئًا من روح الحكاية، وتترك خلفها أسئلة أكبر من الإجابات التي قد تمنحها الأحداث. ومن هذا المنطلق، يلفت الفنان حسين المهدي الأنظار من خلال ترويجه لأحدث أعماله الفنية، مسلسل «الحضّانة» ، الذي يحمل في عنوانه دلالة تتجاوز المعنى المباشر للكلمة، لتلامس منطقة شديدة الحساسية في الوجدان الإنساني، حيث تتقاطع الأمومة مع المسؤولية، والعاطفة مع المصالح، والحماية مع الخوف، وتصبح العائلة مساحةً تختبر فيها النفوس قدرتها على الحبّ والاحتمال والمواجهة.

وقد شارك حسين المهدي عبر حسابه على إنستغرام الملصق الترويجي للعمل، في خطوة تفتح باب الترقّب أمام الجمهور، وتمنح المتابعين فرصة التأمل في ملامح الحكاية قبل انكشاف تفاصيلها. ويحمل الملصق اسم «الحضّانة» ، فيما يظهر أسفله الوسم التعريفي #RAMADAN_YJAMN3 ، ويشير إلى أن العمل مرتقب ضمن موسم رمضان 2027، وفقًا لما هو مكتوب على البوستر. كما يتضمّن اسم المؤلف علي الدوحان ، واسم المخرج سائد بشير الهواري ، إلى جانب شعار شركة Drama Action – Art Production ، وهي التفاصيل التي ترسم الملامح الأولية للعمل وتضعه في دائرة الاهتمام قبل عرضه.

وإذا كان الترويج الفني في ظاهره دعوة إلى المشاهدة، فإن معناه الأعمق يكمن في قدرته على إثارة الفضول واستدعاء الخيال، فالصورة الجيدة لا تخبرنا بكل شيء، بل تترك في داخلنا فراغًا نملؤه بالتساؤلات. وهذا ما يوحي به ملصق «الحضّانة»، الذي يجمع عددًا من الشخصيات في تكوين بصري تتجاور فيه الوجوه، وتتقابل فيه النظرات، بينما يحتل سرير الطفل موقعًا لافتًا في المشهد، محاطًا بألعاب الأطفال وأجواء منزلية تحمل في ظاهرها شيئًا من الدفء والطمأنينة، في مقابل ظلال أكثر برودة وغموضًا تحيط بالجانب الآخر من الصورة. وكأن الملصق يضع المشاهد أمام عالمين متجاورين: عالم يبدو آمنًا ومضيئًا، وآخر تختلط فيه العزلة بالقلق، لتنشأ من هذا التضاد أسئلة حول ما تخفيه البيوت خلف أبوابها المغلقة.

إن عنوان «الحضّانة» نفسه يفتح مجالًا واسعًا للتأويل؛ فالحضانة ليست مكانًا لرعاية الطفل فحسب، بل يمكن أن تكون رمزًا للحاجة الإنسانية إلى الاحتواء، وإلى وجود مساحة آمنة تحمي الإنسان من قسوة العالم. غير أن المفارقة الفلسفية تبدأ حين يصبح المكان الذي يُفترض أن يمنح الأمان ساحةً للصراع، أو حين تتحوّل الرعاية من فعل حبّ خالص إلى مسؤولية تتداخل فيها الحقوق والواجبات والمخاوف والرغبات. فالإنسان لا يحتاج إلى من يحمي جسده وحده، بل يحتاج أيضًا إلى من يصون روحه، ويمنحه الشعور بأنه ليس عبئًا على الآخرين، وأن وجوده لا يخضع للمساومة. ومن هنا، تكتسب فكرة الحضانة أبعادًا تتجاوز حدود المكان، لتصبح سؤالًا عن معنى الانتماء، وعن الجهة التي تستحق أن نأتمنها على أكثر ما نحب.

وفي هذا السياق، يبدو حضور الطفل في الملصق عنصرًا بصريًا بالغ الدلالة؛ إذ يقف سرير الرضيع في قلب التكوين تقريبًا، كأن كل الوجوه المحيطة به تدور حول حقيقة صغيرة وضعيفة، لكنها قادرة على تغيير مصائر الكبار. فالطفل، في القراءة الإنسانية، ليس مجرد بداية لحياة جديدة، بل مرآة تكشف طبيعة من حوله، وتفضح التناقض بين ما يقوله الإنسان عن الحبّ وما يفعله حين يصبح الحبّ مسؤولية حقيقية. وقد يبدو الطفل عاجزًا عن الكلام، لكنه يضع الكبار أمام أصعب الأسئلة: من يملك الحق في الحماية؟ وهل تكفي العاطفة وحدها لصناعة الأمان؟ وهل يمكن للمرء أن يحبّ بصدق، ثم يؤذي من يحبّ بدافع الخوف أو التملّك أو الرغبة في السيطرة؟

أما اجتماع الشخصيات المختلفة في الملصق، فيمنح الصورة طابعًا دراميًا يثير التساؤل حول العلاقات التي تجمع بينها، وحدود الثقة التي قد تربط بعضها ببعض. فالوجوه في الأعمال الدرامية لا تُقرأ من ملامحها وحدها، بل من المسافات التي تفصل بينها، ومن الطريقة التي تتوزع بها داخل الصورة، ومن التناقض بين حضورها الظاهر وما قد تخفيه دواخلها. ومع ذلك، تبقى هذه القراءة في حدود الإيحاء البصري، إذ لا يكشف الملصق وحده عن طبيعة الشخصيات أو تفاصيل أدوارها، لكنه يترك المجال مفتوحًا أمام احتمالات متعددة، وهو ما يجعل الترقّب جزءًا من التجربة الفنية قبل أن تبدأ الحكاية على الشاشة.

ومن زاوية أخرى، يحمل الترويج الذي يقدّمه حسين المهدي معنى يتجاوز الإعلان عن عمل جديد؛ فهو يذكّر بأن حضور الفنان لا ينفصل عن قدرته على أن يكون جزءًا من حوار مستمر مع الجمهور، حوار يبدأ أحيانًا بصورة أو عنوان، ثم يتطوّر إلى انتظار وتساؤل وتوقّع. فالفنان لا يقدّم الشخصية التي يؤديها فحسب، بل يشارك أيضًا في صناعة اللحظة التي تسبق اللقاء بين العمل والمتلقي. وفي هذه المسافة بين الإعلان والمشاهدة، تتكوّن مساحة من الفضول، ويبدأ الجمهور في بناء تصوّراته الخاصة، قبل أن تأتي التجربة الدرامية لتؤكد بعضها أو تنقضها أو تفتح أمامها أبوابًا لم تكن في الحسبان.

والفنّ، في جوهره، لا يستمد قيمته من قدرته على رواية الأحداث وحدها، بل من قدرته على جعلنا نعيد النظر في الأشياء التي اعتدناها. فالبيت الذي نراه رمزًا للاستقرار قد يخفي صراعات لا يعرفها أحد، والعلاقة التي تبدو قائمة على المحبة قد تختبرها المصالح، والمسؤولية التي نظنّها واجبًا واضحًا قد تتحوّل إلى امتحان أخلاقي لا توجد له إجابة سهلة. ومن هنا، فإن أي عمل يقترب من عالم الأسرة والطفولة والرعاية يمتلك فرصة لطرح أسئلة تمسّ التجربة الإنسانية في أكثر مناطقها خصوصية، لأن العلاقات العائلية ليست دائمًا بسيطة كما تبدو، ولأن أقرب الناس إلينا هم، في أحيان كثيرة، الأكثر قدرة على التأثير في أعماقنا.

وبين دفء الإضاءة الذهبية وبرودة الظلال الداكنة في الملصق، تتشكّل مفارقة بصرية يمكن قراءتها بوصفها تعبيرًا عن المسافة الفاصلة بين الأمان كما نتمناه والحقيقة كما قد نكتشفها. فالضوء لا يعني دائمًا انكشاف الحقيقة، كما أن الظلام لا يعني بالضرورة غيابها؛ إذ قد يعيش الإنسان سنوات داخل صورة مثالية عن حياته، قبل أن تدفعه لحظة واحدة إلى مواجهة ما كان يتجنّب رؤيته. ولعلّ هذه المفارقة هي ما يمنح الصورة قدرتها على إثارة الأسئلة، ويجعل عنوان «الحضّانة» قابلًا لقراءات إنسانية متعددة، من دون أن يعني ذلك الجزم بطبيعة أحداث المسلسل أو مسارات شخصياته قبل عرضه.

إن انتظار «الحضّانة» لا يرتبط، في نهاية المطاف، بمعرفة ما ستكشفه الحكاية فحسب، بل بما يمكن أن تثيره من تأملات حول معنى العائلة، وحدود التضحية، وثمن الاختيارات التي نتخذها باسم الحبّ. فالحياة لا تضع الإنسان دائمًا أمام الاختيار بين الخير والشرّ بصورة واضحة، بل كثيرًا ما تدفعه إلى المفاضلة بين حقّين، أو بين عاطفتين، أو بين واجب يفرضه الواقع ورغبة يمليها القلب. وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال عمّن يحبّ أكثر، بل عمّن يستطيع أن يحوّل حبّه إلى فعل مسؤول، وأن يميّز بين حماية الآخر وامتلاكه، وبين رعايته وفرض إرادته عليه.

ومع مشاركة حسين المهدي لهذا الملصق، تتجه الأنظار إلى العمل المرتقب في موسم رمضان 2027، في انتظار ما ستكشفه الحلقات من تفاصيل وشخصيات وعلاقات. ويبقى الحكم النهائي على التجربة مرهونًا بما سيقدّمه المسلسل فعليًا من كتابة وأداء وإخراج ومعالجة درامية، غير أن العنوان والصورة الترويجية يقدّمان مدخلًا تأمليًا يفتح باب النقاش قبل انطلاق العرض.

فربما لا تكون الحضانة، في معناها الأعمق، مكانًا نضع فيه طفلًا حتى يكبر، بل امتحانًا يكشف إن كان الكبار قد نضجوا بما يكفي لحمايته. وربما لا يكون السؤال الحقيقي هو مَن يملك الحق في الاحتضان، بل مَن يمتلك القدرة على أن يحبّ من دون أن يؤذي، وأن يرعى من دون أن يستغلّ ضعفه، وأن يمنح الأمان من دون أن يحوّله إلى قيد. وبين هذه الأسئلة وما قد تحمله أحداث «الحضّانة»، يبقى الفنّ مساحةً مفتوحة للتأمل في الإنسان، ذلك الكائن الذي يبحث طوال حياته عن مكان ينتمي إليه، وعن قلب يستطيع أن يطمئن إليه، وعن حقيقة بسيطة يصعب تحقيقها أحيانًا: أن يكون الحبّ سببًا للنجاة، لا بدايةً للألم.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير