همزة وصل -
القاهرة :مريم عوض
ليس كل ظهور عودة، وليس كل صمت انسحابًا نهائيًا.. فبعض الفنانين قد يغيبون عن المشهد، لكنهم يتركون خلفهم أسئلة لا تموت، وذكريات قادرة على إشعال الجدل من جديد بمجرد أن تطل برأسها من الماضي. وهذا ما يفرض نفسه مع الفنان أحمد عصام، بعدما نشر مشاهد تجمعه بالفنانة نانسي صلاح من أعماله السابقة، في خطوة أعادت اسمه إلى دائرة التساؤلات، وفتحت الباب أمام سؤال أكثر إثارة: هل يكتفي عصام باستعادة محطات من مشواره الفني، أم أن هذه المشاهد تحمل في طياتها بداية عودة جديدة إلى عالم التمثيل؟
اللافت في الأمر أن استدعاء الماضي لا يكون دائمًا فعلًا عابرًا، فهناك لحظات يختار فيها الإنسان أن ينظر إلى الوراء لا لأنه عاجز عن التقدم، وإنما لأنه يحاول أن يتذكر الطريق الذي بدأ منه، والأحلام التي حملها، والنسخة القديمة من نفسه التي ربما لا تزال تنتظر فرصة أخرى لتظهر إلى النور. ومن هنا تكتسب مشاهد أحمد عصام مع نانسي صلاح أهمية تتجاوز حدود الحنين إلى أعمال سابقة، لأنها تعيد طرح اسمه أمام الجمهور، وتدفع المتابعين إلى التفكير فيما إذا كان الفنان يستعيد ذكرياته فحسب، أم يعيد التذكير بموهبة قد تكون لديها مساحات أخرى لم تُكتشف بعد.
ففي عالم الفن، لا يكفي أن تكون قد حضرت يومًا، بل يبقى التحدي الحقيقي هو أن تعرف كيف تعود، وماذا ستقدم حين تعود. الشهرة قد تمنح صاحبها حضورًا مؤقتًا، والذاكرة قد تحتفظ له بلقطات جميلة، لكن الاستمرار يحتاج إلى ما هو أعمق من الاثنين؛ يحتاج إلى اختيار مختلف، ورؤية أكثر نضجًا، وقدرة على تقديم ما يجعل الجمهور يتوقف أمام الشاشة من جديد. ولذلك، فإن الحديث عن احتمال عودة أحمد عصام إلى التمثيل لا ينبغي أن يتوقف عند مجرد نشر مشاهد قديمة، بل يمتد إلى السؤال عن الخطوة التالية التي يمكن أن تمنح هذه العودة، إذا حدثت، معناها الحقيقي.
أما مشاهد نانسي صلاح معه، فتحمل بدورها جانبًا من سحر الأعمال التي تظل قابلة للاستدعاء مهما ابتعدت السنوات، فالمشهد الفني لا يعيش فقط في لحظة عرضه الأولى، وإنما قد يستعيد حضوره كلما وجد طريقه إلى الجمهور من جديد. وربما تكمن قوة هذه اللحظات في أنها تضع الفنان أمام مرآة مشواره، وتضع الجمهور أمام ذاكرته، فيلتقي الماضي بالحاضر، ويصبح السؤال عما سيأتي أكثر إلحاحًا من مجرد تذكر ما مضى.
لكن هل نحن أمام تمهيد لعودة فنية مرتقبة؟ أم أن الأمر لا يتجاوز مشاركة مشاهد من أرشيف سابق؟ حتى الآن، لا يمكن اعتبار هذه الخطوة إعلانًا مؤكدًا عن مشروع تمثيلي جديد، ولا يصح تحويل التساؤلات إلى حقائق لم يعلنها الفنان. ومع ذلك، فإن ما حدث يظل كافيًا لإعادة فتح الملف، خاصة أن الجمهور لا يتعامل مع الفنانين باعتبارهم مجرد أسماء تظهر وتختفي، بل باعتبارهم حكايات ممتدة، لكل مرحلة فيها ملامحها، ولكل غياب أسئلته، ولكل عودة محتملة حساباتها الخاصة.
والحقيقة أن أصعب ما يواجه الفنان بعد الابتعاد ليس أن يعود إلى الكاميرا، وإنما أن يعود بصورة تستحق الانتظار. فالجمهور الذي قد يحن إلى أعمال الأمس لن يكتفي بالحنين طويلًا، بل سيبحث عن عمل جديد يبرر هذا الحضور، وعن شخصية تكشف جانبًا مختلفًا من موهبة صاحبها، وعن تجربة تثبت أن السنوات لم تكن مجرد مسافة زمنية، وإنما مساحة للنضج وإعادة اكتشاف الذات.
أحمد عصام الآن أمام سؤال أكبر من مجرد العودة إلى التمثيل: هل يستطيع تحويل استعادة الماضي إلى بداية للمستقبل؟ فالفن لا يمنح فرصه الثانية لمجرد أن صاحبه غاب، ولا يغلق أبوابه لمجرد أن الطريق طال، لكنه يظل ينتظر اللحظة التي يمتلك فيها الفنان ما يستحق أن يُقال، والطريقة التي تجعله يقوله بصورة مختلفة.
وفي النهاية، قد تكون المشاهد التي نشرها أحمد عصام مجرد نافذة فتحها على أعماله السابقة، وقد تكون مناسبة أعادت إلى الأذهان محطات من مشواره، لكن أثرها الأهم أنها أعادت السؤال إلى الواجهة، وتركت مساحة واسعة للتكهن بما قد تحمله الأيام المقبلة. فهل تكون نانسي صلاح شريكة في استعادة ذكرى فنية عابرة، أم أن هذه المشاهد ستصبح نقطة انطلاق لتجدد الحديث عن أحمد عصام كممثل ينتظر فرصته التالية؟
ربما لا تكون العودة الحقيقية هي أن يظهر الفنان مرة أخرى أمام الكاميرا، بل أن يعود وفي داخله ما لم يقله بعد. فالماضي قد يفتح الباب، والذكريات قد توقظ الحلم، لكن وحدها الخطوة الجديدة تستطيع أن تثبت أن الحكاية لم تنتهِ.. وأن بعض النهايات لم تكن سوى صمت طويل يسبق بداية أكثر إثارة.



