همزة وصل -
عبارة قالها الدكتور عدنان الشبول، طبيب القلب في بريطانيا، وابن بلدة الشجرة على الحدود الأردنية السورية.
وراء هذه العبارة قصة إنسانية تستحق أن تُروى.
بدأت القصة عندما رأى الدكتور عدنان، في أحد بساتين الزيتون القريبة من البلدة، حمارًا مصابًا في رجله، ويبدو أن حافره كان قد تعرض لإصابة شديدة جعلته عاجزًا عن المشي والبحث عن الماء والطعام.
ومع مرور الوقت، تدهورت حالته، واشتد التهاب الحافر، وأصيب بالجوع والجفاف، وأصبح الألم والإعياء يهددان حياته.
كان بإمكان الدكتور عدنان أن يمر من أمامه ويقول:
«إنه مجرد حمار، وما شأني أنا؟»
لكنه لم يفعل.
حاول أن يساعده ويعالجه بما يستطيع، وعندما أدرك أن حالته تحتاج إلى طبيب بيطري مختص، بدأ يبحث ويستغيث بأهل الاختصاص.
وأخيرًا لبى الدكتور إدريس الطاهات النداء، وقام بنقل الحمار إلى مكان قريب من عيادته، ليبدأ علاجه ورعايته.
هنا تكمن قيمة القصة.
فالدكتور عدنان لم يكتفِ بالتعاطف، ولم يكتفِ بالحديث عن معاناة الحيوان، بل تحرك.
حاول، وعندما عجز طلب المساعدة، وعندما وجد من يستطيع المساعدة، أوصله إليه.
ولهذا قال عنه:
«صاحبي الحمار».
قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها في الحقيقة تختصر معنى كبيرًا من معاني الإنسانية.
فالإنسانية ليست كلمات نرددها على المنابر، ولا شعارات نرفعها في المناسبات، ولا مواقف نعلنها عندما تقع الكوارث.
الإنسانية أن ترى الألم، فتشعر أن عليك مسؤولية تجاهه.
ونحن نعيش اليوم في عالم يمتلئ بالألم؛ قتل وتشريد ودمار وجوع، لا يفرق بين طفل وشيخ وامرأة، ولا يتوقف ألمه عند الإنسان وحده، بل يمتد إلى الحيوان وكل ما حولنا.
كثيرون يتحدثون، وينتقدون، ويطالبون الحكومات والمؤسسات بأن تقوم بدورها، وهذا أمر مطلوب.
لكن يبقى سؤال مهم:
وماذا عن دورنا نحن؟
في حياتنا اليومية نرى من لا يجد قوت يومه، ونرى اليتيم، وعابر السبيل، والمريض، وكبير السن، والأسرة المتعففة، ومشردي الحروب، وغيرهم الكثير.
نراهم، ثم نمضي.
نطالب بالتكافل، لكننا أحيانًا ننسى أن المجتمع هو نحن.
وفي الحديث الشريف:
«أيما أهل عَرْصةٍ أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى».
لسنا مطالبين بأن نحل جميع مشاكل العالم، فهذا فوق قدرة الفرد.
لكن ربما نستطيع أن نساعد إنسانًا واحدًا، أو نخفف ألم مريض، أو نطعم جائعًا، أو نساند أسرة متعففة، أو ننقذ حيوانًا يتألم ولا يجد من يرحمه.
المشكلة أننا نسير، وبسرعة، نحو ثقافة:
«نفسي ومن بعدي الطوفان».
كل واحد منشغل بنفسه، وبمشاكله، ومصالحه، وكأن ما يحدث للآخرين لا يعنيه.
لكن...
ماذا لو أصبح لكل واحد منا شخص يحتاجه، ويتخذه صديقًا له؟
صديقًا فقيرًا، أو يتيمًا، أو مريضًا، أو كبيرًا في السن، أو أسرة متعففة، أو حتى حيوانًا يتألم؟
تخيلوا لو أن كل واحد منا فعل شيئًا بسيطًا من هذا القبيل.
كم ألمًا سنخفف؟
وكم حياة سننقذ؟
وكم قلبًا سنعيد إليه الأمل؟
لقد رأى الدكتور عدنان الشبول حمارًا يتألم في بستان زيتون.
كان يستطيع أن يتركه لمصيره.
لكنه اختار أن يقول:
«صاحبي الحمار».
والأجمل أنه لم يكتفِ بالقول، بل فعل ما يستطيع، واستنجد بمن يستطيع، حتى وصل إلى من يساعده وينقذ حياته.
ربما لا نستطيع أن ننقذ العالم، لكن باستطاعتنا ألا نترك من يقع أمامنا يتألم وحده.
فالصديق الحقيقي ليس فقط من تجلس معه، بل من لا تتركه وحيدًا عندما يتألم.
شكرًا للدكتور عدنان الشبول، وشكرًا للدكتور إدريس الطاهات، لأنهما ذكّرانا بأن الإنسانية تبدأ أحيانًا من موقف صغير... لكنها قد تصنع فرقًا كبيرًا.



