في زمنٍ يصرخ فيه الجميع: «أين الفرصة؟».. أشرف زكي يفتح أبواب المسرح، ويضع الوسط الفني أمام مرآته!

{title}
همزة وصل   -


القاهرة :مريم عوض 

ليست كل الأزمات التي يعيشها الوسط الفني بحاجة إلى بيان يشرحها، فبعضها يقف أمامنا في صورة موهبة تملك القدرة ولا تملك الطريق، وفنان ينتظر سنوات كي يراه أحد، ومؤلف يكتب نصوصه في الظل، ومخرج يحمل مشروعًا لا يجد خشبة تمنحه حق الحياة. وفي المقابل، تتعالى الأصوات مطالبة بفتح الأبواب، وتتكرر الشكوى من غياب الفرص، حتى أصبح السؤال عن حق الشباب في الظهور جزءًا من المشهد اليومي للفن المصري. لكن وسط هذه الضوضاء، يبرز سؤال أكثر عمقًا وإزعاجًا: إذا كانت المشكلة في غياب الفرصة، فماذا يحدث عندما تُفتح الأبواب بالفعل؟ هنا تأتي الدورة التاسعة من مهرجان نقابة المهن التمثيلية، لتضع تجربة الدكتور أشرف زكي أمام اختبار يتجاوز حدود الاحتفال بالمهرجان إلى معنى أبعد يتعلق بمستقبل الموهبة، وعدالة الوصول، ومسؤولية المؤسسات تجاه الأجيال الجديدة.

1600 موهبة.. رقم لا ينبغي أن يمر مرور الكرام!

حين نتحدث عن نحو 1600 موهبة تشارك من خلال 60 عرضًا مسرحيًا، فنحن لا نتحدث عن رقم يصلح للترويج لحدث فني، بل عن 1600 احتمال لمستقبل مختلف، و1600 حكاية تبحث عن فرصة، ومئات الأحلام التي لا تريد من أحد أن يمنحها شهادة استحقاق قبل أن تبدأ، وإنما تريد مساحة عادلة كي تثبت نفسها. والأهم أن هذه المواهب لا تقتصر على التمثيل، بل تشمل التأليف والإخراج والكتابة المسرحية والديكور والملابس والاستايلست والإضاءة، وغيرها من العناصر التي تؤكد أن المسرح ليس وجهًا يقف تحت الضوء، وإنما منظومة كاملة من العقول والأيدي والأرواح التي تصنع الفن.

وهنا تحديدًا تتجاوز تجربة المهرجان مفهوم اكتشاف الوجوه الجديدة إلى محاولة إنصاف من لا تظهر أسماؤهم عادة على الملصقات الكبيرة. فكم من فنان يقف في مقدمة المشهد، بينما توجد خلفه مواهب لا تقل إبداعًا، لكنها لم تحصل على فرصة واحدة كافية لتقول للجمهور: نحن هنا أيضًا؟ وكم من نص جيد مات قبل أن يرى النور، وكم من مخرج ظل أسير الانتظار لأن الطريق إلى خشبة المسرح كان أطول من قدرته على الاحتمال؟ إن منح هؤلاء مساحة للظهور لا يحل كل أزمات الوسط الفني، لكنه يضرب في قلب فكرة الاحتكار غير المعلن للفرص، ويعيد طرح السؤال الذي ينبغي ألا يتوقف: هل نبحث عن الموهبة فعلًا، أم نكتفي بالأسماء التي اعتدنا رؤيتها؟

أشرف زكي.. لا يكفي أن نطالب بإنصاف الموهبة، بل يجب أن نمنحها فرصة

في عالم الفن، يسهل أن تتحدث عن الشباب، وأن ترفع شعار دعم المواهب، وأن تكتب كلمات جميلة عن المستقبل، لكن الأصعب هو أن تتحمل مسؤولية تحويل هذه الكلمات إلى فعل. فالفرصة ليست مجاملة، وليست منحة عاطفية، وليست بابًا خلفيًا يفتحه مسؤول لشخص يعرفه؛ الفرصة الحقيقية هي أن تتيح للموهبة أن تقف أمام الجمهور، وأن تُقيَّم بما تقدمه، وأن تخوض تجربتها بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وأن يكون لها حق المحاولة حتى إن لم تصل إلى النجاح من المرة الأولى.

من هذه الزاوية، يستحق الدور الذي يقوم به الدكتور أشرف زكي في دعم المهرجان والتوسع في إتاحة الفرص أمام المواهب الشابة أن يُناقش بجدية، بعيدًا عن المبالغة في المديح أو القسوة التي تتجاهل أي خطوة إيجابية. ففتح مساحة بهذا الحجم أمام المبدعين رسالة عملية تقول إن الحديث عن أزمة الفرص يجب ألا يظل حبيس الشكوى، وإن المؤسسات الفنية تستطيع أن تلعب دورًا في تغيير الواقع حين تضع الإمكانات المتاحة في خدمة اكتشاف الطاقات الجديدة.

لكن الإنصاف الحقيقي لا يعني أن نعتبر ما تحقق نهاية الطريق؛ بل أن نراه بداية تستحق البناء عليها. فالمهرجان، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده أن ينهي أزمة ممتدة، ولا أن يضمن لكل موهبة مستقبلًا فنيًا ناجحًا. غير أنه يستطيع أن يفتح الباب، وأن يمنح الشباب أول اختبار حقيقي، وأن يضع مسؤولية الخطوة التالية أمام الجميع: النقابة، والمنتجين، والمخرجين، والمؤسسات الثقافية، وكل من يمتلك القدرة على تحويل الاكتشاف إلى عمل، والظهور إلى استمرار.

لماذا يحظى أشرف زكي بمحبة كثيرين؟ لأن المواقف هي الاختبار الأصعب

تأتي محبة الفنانين والجمهور لأي شخصية عامة من رصيد يتكون عبر الوقت، ولا تصنعها الكلمات وحدها. وفي حالة أشرف زكي، فإن تقدير كثيرين له يرتبط أيضًا بحضوره في قلب الحركة الفنية، وبالدور الذي يضطلع به في ملفات تخص الفنانين وأصحاب المواهب. وتزداد قيمة هذا الدور عندما يتحول الدعم من حديث عام عن الشباب إلى مساحة يستطيعون الوقوف فيها أمام الجمهور، وإلى تجربة تمنحهم فرصة للتعبير عن أنفسهم وإثبات قدراتهم.

ومع ذلك، فإن المحبة الحقيقية لا ينبغي أن تتحول إلى منطقة محظورة على النقد، كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة تمنع الاعتراف بالجهد. فالمسؤول الذي يحظى بالتقدير لا يخسر شيئًا حين يُطالَب بالمزيد، والمبادرة التي تستحق الإشادة تصبح أكثر قيمة حين نناقش كيف يمكن تطويرها واستمرارها. وربما يكون هذا هو المعنى الأهم وراء وصف أشرف زكي بأنه «محبوب الجميع»: أن المحبة التي تُبنى على المواقف تظل مطالبة بمواقف جديدة، وأن الثقة ليست صكًا دائمًا، بل مسؤولية تتجدد مع كل خطوة.

ستة مسارح في عشرة أيام.. هل تستطيع الفرصة أن تعيش بعد إسدال الستار؟

تستضيف فعاليات الدورة التاسعة عروضها على ستة مسارح، هي مسرح النهار، ومسرح المعهد العالي للفنون المسرحية، ومسرح نهاد صليحة، وطيبة 1، وطيبة 2، ومسرح فردوس، على مدار عشرة أيام من النشاط المسرحي. وهذا الانتشار يمنح التجارب المشاركة مساحة أوسع للحضور، ويؤكد أن دعم المواهب يحتاج إلى بنية تستوعبها، لا إلى شعارات تكتفي بالاحتفاء بها.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس فقط: كم عرضًا سيُقدم؟ أو كم موهبة ستشارك؟ بل: ماذا بعد انتهاء الأيام العشرة؟ هل ستظل الأسماء التي لفتت الانتباه حاضرة في ذاكرة الحركة المسرحية؟ وهل ستجد النصوص الجيدة طريقها إلى إنتاج جديد؟ وهل سيحصل المخرجون والكتاب والمصممون على فرص أخرى تتيح لهم تطوير أدواتهم؟ إن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الليالي التي امتلأت فيها المسارح، بل بعدد الأبواب التي ستظل مفتوحة بعد مغادرة آخر متفرج.

وفي هذا السياق، تستحق جهود المخرج هشام عطوة، نائب رئيس المهرجان، والمخرج سامح بسيوني، مدير المهرجان، وكل فرق العمل المشاركة، التقدير على ما يبذلونه من جهد في تنظيم هذه التجربة. 

كما أن تكامل الأدوار بين إدارة المهرجان والقائمين عليه يمثل ضرورة أساسية كي لا تبقى الفرصة لحظة استثنائية، بل تتحول إلى مسار قابل للتكرار والتطوير.

المسرح مرآة المجتمع.. وأحيانًا يكون أكثر عدلًا من الواقع

ثمة مفارقة تستحق التأمل: المسرح الذي اعتاد أن يكشف تناقضات المجتمع، ويضع الإنسان أمام أسئلته الكبرى، يمكنه أيضًا أن يصبح مساحة لمواجهة واحدة من أكثر مشكلاته إيلامًا، وهي الفجوة بين امتلاك الموهبة والقدرة على الوصول. فوق الخشبة، لا يكفي أن يحمل الإنسان حلمًا، بل عليه أن يجسده أمام الآخرين؛ لكن قبل ذلك، يجب أن يجد خشبة يقف عليها. ومن هنا تتجلى القيمة الإنسانية للمهرجان، لا باعتباره منافسة فنية فقط، بل باعتباره محاولة لإعادة الحق في الظهور إلى أشخاص لم تتح لهم دائمًا الفرصة المناسبة.

إن الفن لا يخسر حين تظهر أسماء جديدة، بل يخسر حين يكرر نفسه، ويغلق دوائره، ويعامل النجاح السابق باعتباره المعيار الوحيد للمستقبل. وكل موهبة جديدة تحصل على فرصة عادلة هي احتمال لتجربة مختلفة، وصوت قد يغير شكل المشهد، ورؤية ربما لا تشبه ما اعتدناه. لذلك، فإن دعم الشباب ليس عملًا خيريًا، بل استثمار في حيوية الفن نفسه، وفي قدرته على التجدد وعدم التحول إلى دائرة مغلقة تدور فيها الأسماء ذاتها.

الخلاصة: لا نريد مهرجانًا يثبت أن الفرص موجودة فقط.. بل تجربة تجعل غيابها أصعب

إن أهم ما يمكن أن تقدمه الدورة التاسعة من مهرجان نقابة المهن التمثيلية هو أن تجعل الحديث عن الفرص أكثر واقعية، وأن تنقل النقاش من تبادل الاتهامات إلى البحث عن حلول قابلة للاستمرار. ويستحق الدكتور أشرف زكي التقدير على إتاحة هذه المساحة، كما يستحق القائمون على المهرجان أن تُرى جهودهم في سياقها الصحيح، دون أن تتحول الإشادة إلى مبالغة، أو المطالبة بالمزيد إلى إنكار لما تحقق.

فالمطلوب ليس أن نغلق باب النقد، بل أن نفتح أبوابًا جديدة للموهبة. وليس أن نحتفل بمئات المشاركين ثم نتركهم يعودون إلى نقطة البداية، بل أن نبحث عن آليات تضمن استمرار التواصل معهم، وتتيح لأفضل التجارب أن تنتقل إلى مراحل أخرى من الإنتاج والتقديم. وليس أن نقول للشباب إن المستقبل ملكهم، بل أن نمنحهم مساحة حقيقية لصناعته.

في النهاية، قد لا يستطيع مهرجان واحد أن ينهي أزمة الفرص في الوسط الفني، لكنه يستطيع أن يثبت أن فتح الباب ممكن، وأن الانتظار ليس قدرًا أبديًا، وأن الموهبة حين تجد من يمنحها مساحة عادلة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب فقط ألا يُحكم عليها قبل أن تُرى.

وهنا تكمن قيمة التجربة، وهنا أيضًا تبدأ مسؤوليتها الأكبر: أن يكون المسرح بداية الطريق، لا نهايته، وأن تصبح الفرصة حقًا يتسع عامًا بعد عام، لا استثناءً ينتظره الموهوبون حتى يحالفهم الحظ.


كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير