مي فاروق تضع جمهورها أمام اختبار الطرب في قرطاج.. من تختار لتغني له على المسرح التاريخي؟

{title}
همزة وصل   -
 

كتبت /مريم عوض 
قررت الفنانة مي فاروق أن تمنح محبيها فرصة اختيار إحدى المفاجآت الغنائية المنتظرة في حفلها المرتقب على مسرح قرطاج الأثري في تونس، لتفتح بذلك نقاشًا فنيًا يتجاوز فكرة الحفل التقليدي، ويضع الجمهور نفسه أمام سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد الصعوبة بالنسبة لعشاق الطرب: أي صوت من أصوات الزمن الجميل ترغبون في أن تسمعوا مي فاروق وهي تعيد تقديم إحدى أغانيه؟
وجاءت الدعوة من خلال بوستر الحفل، الذي حمل عبارة واضحة ولافتة: «اختار مطرب وهغني له أغنية على مسرح قرطاج الأثري»، مع تحديد موعد الحفل يوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، ضمن تظاهرة «ربي يحفظ تونس».
ولم تترك مي فاروق جمهورها أمام اختيارات مفتوحة بلا حدود، وإنما وضعت ثلاثة أسماء فنية كبيرة، لكل واحد منها تاريخه ومدرسته وجمهوره الخاص، وهم ميادة الحناوي، هاني شاكر، وذكرى، مطالبة المتابعين بكتابة رقم اختيارهم في التعليقات.
وهنا تحديدًا تتحول الفكرة من مجرد منشور ترويجي إلى مساحة حقيقية لاختبار الذاكرة الغنائية للجمهور؛ فاختيار ميادة الحناوي يعني الانحياز إلى واحدة من أهم التجارب الطربية التي جمعت بين قوة الصوت وثراء اللحن وعمق الإحساس، بينما يمثل اختيار هاني شاكر استدعاءً لعالم الأغنية الرومانسية التي ارتبط بها جمهور واسع عبر أجيال متعاقبة، أما اختيار ذكرى فيحمل رغبة في استعادة صوت استثنائي امتلك حضورًا خاصًا وقدرة نادرة على التعبير والانتقال بين الطبقات والمقامات والمشاعر.
ثلاثة أسماء.. وثلاث مدارس في ذاكرة الجمهور
الأمر اللافت في اختيار هذه الأسماء تحديدًا أن مي فاروق لم تضع أمام جمهورها ثلاثة مطربين متشابهين في التجربة أو اللون، بل اختارت أسماء تنتمي إلى مساحات مختلفة من الذاكرة العربية، وهو ما يجعل نتيجة التصويت تحمل دلالة فنية إلى جانب كونها اختيارًا لأغنية.
فميادة الحناوي تمثل حالة طربية ارتبطت بالألحان الكبيرة والأغنيات التي تحتاج إلى صوت قادر على احتواء تفاصيلها، وهاني شاكر يمثل مدرسة مختلفة في التعبير الرومانسي والأغنية التي تصل إلى الجمهور من خلال بساطة الإحساس ووضوح الكلمة، بينما تأتي ذكرى كصوت له خصوصيته وحضوره المختلف، بما يجعل إعادة تقديم إحدى أغنياتها تحديًا فنيًا حقيقيًا لأي مطرب.
ومن هنا يصبح السؤال الذي طرحته مي فاروق أكثر عمقًا مما يبدو عليه للوهلة الأولى: أي تجربة فنية يريد الجمهور استعادتها بصوتها من فوق أحد أهم المسارح التاريخية في تونس؟
مي فاروق لا تكتفي بالاختيارات الثلاثة
وفي رسالتها إلى جمهورها، لم تغلق مي فاروق دائرة المفاجآت عند الأسماء الثلاثة الموجودة على البوستر، بل كشفت عن جانب آخر من برنامج الحفل، مؤكدة أن اللقاء سيشهد أيضًا تقديم أغنيات لـكوكب الشرق أم كلثوم، إلى جانب أغنياتها الخاصة.
وهذه الإشارة تكشف عن رغبة واضحة في أن يكون الحفل رحلة بين أكثر من زمن غنائي؛ من أعمال كوكب الشرق التي أصبحت جزءًا من الذاكرة العربية، إلى أغنيات نجوم كبار مثل ميادة الحناوي وهاني شاكر وذكرى، وصولًا إلى أعمال مي فاروق الخاصة التي تمثل تجربتها وصوتها وهويتها الفنية.
وبذلك لا تبدو ليلة قرطاج مجرد مناسبة غنائية تقدم فيها مي فاروق مجموعة من الأغنيات، وإنما أمسية تراهن على قيمة الطرب نفسه، وعلى قدرة الأغنية الجيدة على عبور السنوات والأجيال دون أن تفقد تأثيرها.
«اكتب رقم اختيارك في التعليقات».. الجمهور شريك في صناعة الحفل
اللافت أيضًا أن مي فاروق اختارت أن تجعل الجمهور جزءًا من القرار، من خلال دعوتها المباشرة: «اكتب رقم اختيارك في التعليقات».
هذه الخطوة تمنح الجمهور إحساسًا بأنه ليس مجرد متلقٍ ينتظر ما ستقدمه الفنانة، بل طرف مشارك في تحديد إحدى لحظات الحفل، وهو أسلوب يخلق حالة من الترقب قبل صعود الفنانة إلى المسرح، لأن المتابع لن ينتظر الحفل فقط لمعرفة ما ستغنيه مي فاروق، بل سينتظر كذلك لمعرفة أي اسم فاز بثقة الجمهور.
والأهم أن الاختيار هنا ليس بين أغنيات عادية، وإنما بين أسماء ارتبطت بذكريات ومراحل زمنية مختلفة، وهو ما يفسر احتمالية تحول التعليقات إلى مساحة لاستعادة الذكريات ومناقشة الأغاني التي تركت أثرًا حقيقيًا في وجدان المستمعين.
قرطاج يضيف للأمسية قيمة أخرى
ويكتسب الحفل أهمية خاصة من مكان إقامته، إذ تستعد مي فاروق للغناء على مسرح قرطاج الأثري، في أجواء تحمل خصوصية تاريخية وفنية، وهو ما يجعل اختيار الأغنيات أكثر حساسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصوت ينتمي في الأساس إلى مدرسة الطرب.
فالمسرح التاريخي لا يستقبل مجرد حفلة أخرى، وإنما يستضيف ليلة تعتمد بصورة كبيرة على الصوت والأداء والإحساس، وهي عناصر تتطلبها طبيعة الأغنيات التي اختارت مي فاروق أن تضعها في قلب تجربتها مع الجمهور.
ومن المؤكد أن تقديم أغنية لميادة الحناوي أو هاني شاكر أو ذكرى في هذا المكان، إلى جانب أغنيات أم كلثوم وأعمال مي فاروق الخاصة، سيمنح الأمسية مساحة واسعة للتنوع، دون أن تفقد هويتها الأساسية القائمة على الطرب.
ليلة مختلفة تبدأ قبل أن تصعد مي فاروق إلى المسرح
وربما تكون المفارقة الأجمل في فكرة مي فاروق أن الحفل بدأ بالنسبة للجمهور قبل موعده بأيام؛ فالتصويت نفسه أصبح جزءًا من التجربة، وأصبح لكل متابع رأي في الأغنية التي يريد سماعها، ولكل اسم من الأسماء الثلاثة جمهور يرى أنه الأحق بأن تستعيد مي فاروق إحدى أغنياته.
وبين ميادة الحناوي وهاني شاكر وذكرى، يبقى القرار في النهاية للجمهور، بينما تحتفظ مي فاروق بالمساحة الأهم: تحويل الاختيار الجماهيري إلى أداء يحمل بصمتها الخاصة.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير