محمود عبد المغني.. لم ينتصر على الانتقادات.. انتصر على فكرة السقوط

{title}
همزة وصل   -

كتبت /مريم عوض 
في الفن، ليست المشكلة أن تُنتقد، وإنما أن تتحول الانتقادات إلى تعريف كامل لك وهنا تحديدًا يمكن قراءة تجربة محمود عبد المغني؛ فالرجل لم يعش مسيرته داخل منطقة آمنة، ولم يكن طوال الوقت ذلك الاسم الذي تتفق عليه الجماهير والنقاد، لكنه امتلك شيئًا أهم من الاتفاق عليه: امتلك القدرة على الاستمرار عندما كان من السهل أن يتراجع.
محمود عبد المغني لم يصنع حضوره بضربة واحدة، ولم يدخل سباق النجومية من الباب الأقصر، بل جاء من رحلة طويلة جعلت الممثل يسبق النجم.
 وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم تجربته؛ لأن الفنان الذي يبدأ من البحث عن الشخصية يختلف عن الفنان الذي يبدأ من البحث عن مساحة الظهور. عبد المغني ظل لسنوات يراكم خبرته، ويختبر نفسه في شخصيات ومساحات مختلفة، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بقدرة واضحة على تقديم أدوار تحمل أكثر من وجه، وليس مجرد تكرار لصورة واحدة نجحت مع الجمهور.
لكن الطريق لم يكن مستقيمًا، وهذه ربما أهم ميزة فيه.
كانت هناك اختيارات تعرضت للنقد، وأدوار لم تحقق الصدى المتوقع، وفترات بدا فيها حضوره أقل من حجم موهبته، بل ووصل الأمر في وقت سابق إلى خلافات علنية حول طبيعة بعض الانتقادات التي تعرض لها. إلا أن عبد المغني لم يسمح لهذه اللحظات بأن تتحول إلى نهاية مفتوحة لمسيرته. لم يدخل في معركة هدفها إثبات أن الجميع مخطئون، وإنما عاد في كل مرة إلى المكان الذي يعرفه جيدًا: العمل.
وهنا تكمن الفكرة الأهم في تجربته؛ فبعض الفنانين يحاولون مواجهة النقد بالكلام، بينما يملك آخرون رفاهية الرد بأدوار جديدةومحمود عبد المغني، في أفضل لحظاته، اختار النوع الثاني. 
لأن الممثل لا يستطيع أن يربح كل رأي، لكنه يستطيع أن يمنح الجمهور في كل مرة سببًا جديدًا لإعادة النظر إليه.
النجومية بالنسبة له لم تكن مجرد عدد مرات الظهور، وإلا لكانت كل سنوات الغياب خسارة. لكن الفن أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فهناك فنان يظهر كثيرًا حتى يصبح حضوره عاديًا، وفنان قد يغيب ثم يعود فيجد الجمهور منتبهًا من جديد. وهذه القدرة على الاحتفاظ بمساحة خاصة في ذاكرة المشاهد هي واحدة من أصعب صور النجاح.
ولعل أكثر ما يحسب لتجربة محمود عبد المغني أنه لم يسمح للانتقاد بأن يدفعه إلى تقديم نسخة مضمونة من نفسه. ظل يبحث عن مناطق مختلفة داخل الممثل، ولذلك لم يصبح أسيرًا لشخصية واحدة أو قالب واحد. وهذه ميزة قد لا تظهر سريعًا في زمن التريند، لكنها تظهر بوضوح عندما ننظر إلى مسيرة فنان على مدى سنوات؛ لأن الاختبار الحقيقي ليس: كم مرة تصدرت؟ وإنما: كم مرة استطعت أن تعود دون أن تفقد قيمتك؟
عبد المغني أيضًا من هؤلاء الفنانين الذين يذكروننا بأن النجاح الفني ليس دائمًا صاخبًا. أحيانًا يكون النجاح الحقيقي في أن تظل موجودًا رغم تغير الأذواق، وتبدل خريطة النجوم، وصعود أسماء جديدة، وتراجع أخرى. أن تمر السنوات ولا يصبح اسمك مجرد ذكرى من جيل سابق، بل تظل قادرًا على الدخول إلى المشهد من جديد.
وهنا تحديدًا تصبح الانتقادات جزءًا من القصة، لا عدوًا لها.
فالفنان الذي لم يتعرض للنقد ربما لم يضع نفسه أصلًا في منطقة الاختبار. أما الفنان الذي تعرض له واستطاع أن يكمل، فهو يخضع لامتحان مختلف: هل سيصدق التصفيق عندما يأتي؟ وهل سينهار عندما يتحول إلى هجوم؟ ومحمود عبد المغني أثبت أن لديه قدرًا من الصلابة يسمح له بالمرور بين الحالتين.
الأهم أنه لم يجعل قيمته الفنية معلقة على رأي واحد؛ لا على ناقد يمدحه، ولا على جمهور يصفق له، ولا على تريند يرفعه إلى القمة ثم يتركه في اليوم التالي. وهذه واحدة من علامات النضج الفني؛ أن تعرف أن العمل هو الحكم الأخير، وأن أي موجة مهما كانت قوية ستنتهي، بينما يبقى ما قدمته على الشاشة.
ربما لهذا السبب تحديدًا لا يمكن اختصار محمود عبد المغني في نجاح واحد أو إخفاق واحد. تجربته أكبر من ذلك؛ لأنها تجربة ممثل عرف أن الطريق الطويل لا يخلو من المطبات، وأن الفنان لا يثبت نفسه لأنه لم يسقط، وإنما لأنه يعرف كيف يقف بعد كل سقوط.
وفي زمن أصبحت فيه النجومية أحيانًا مرتبطة بسرعة الانتشار أكثر من قوة الموهبة، تبدو تجربة محمود عبد المغني مختلفة؛ فهو لم يحتج إلى أن يكون حاضرًا طوال الوقت حتى يثبت أنه موجود، ولم يحتج إلى تحويل كل انتقاد إلى معركة شخصية. يكفيه أن يعود إلى الشاشة بشخصية جديدة ليبدأ النقاش من جديد، وهذه وحدها علامة على أن اسمه لم يفقد قدرته على إثارة فضول المشاهد.
لذلك، إذا كان السؤال: كيف نجح محمود عبد المغني رغم الانتقادات؟ فالإجابة ليست أنه استطاع إسكات منتقديه، ولا أنه حظي دائمًا بالإجماع، وإنما لأنه فهم قاعدة أكثر قسوة وأكثر واقعية في الفن: لن تستطيع أن تمنع الناس من الحكم عليك، لكنك تستطيع أن تمنع حكمًا واحدًا من إنهاء مسيرتك.
وهنا تكمن قوة محمود عبد المغني الحقيقية؛ لم ينتصر لأنه لم يُهزم، وإنما لأنه لم يسمح لأي هزيمة مؤقتة أن تتحول إلى تعريف دائم له. ظل ممثلًا يبحث عن فرصته، ويعود إلى الشاشة، ويترك لكل عمل مهمة الدفاع عنه.
وفي النهاية، قد يختلف الجمهور حول فنان، وقد يختلف النقاد حول اختياراته، وقد تمر عليه سنوات أقوى من سنوات أخرى، لكن هناك فارقًا بين الفنان الذي تصنعه موجة وبين الفنان الذي تصنعه الرحلة. ومحمود عبد المغني ينتمي إلى أصحاب الرحلة؛ أولئك الذين لا يحتاجون إلى أن تكون كل محطاتهم مثالية حتى يثبتوا أنهم يستحقون الاستمرار.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تعيش بلا انتقاد.. النجاح أن يظل اسمك قادرًا على الوقوف بعد أن ينتهي الانتقاد.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير