همزة وصل -
جدل واسع يدور حول زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب وطب الأسنان في الجامعات الأردنية، بين مؤيد يرى أن من حق أصحاب المعدلات المرتفعة دراسة التخصص الذي يرغبون فيه، ومعارض يخشى أن تؤدي الزيادة إلى مزيد من البطالة وتراجع مستوى التدريب.
وجهة نظر المعارضين تستند إلى نقطة أساسية لا يمكن تجاهلها: الطبيب لا يكفي أن يكون متفوقًا في العلوم النظرية، فالتدريب العملي والسريري هو الأساس في تكوين الطبيب. ولذلك فإن زيادة أعداد الطلبة يجب أن تترافق بالضرورة مع زيادة الطاقة التدريبية، والمستشفيات التعليمية، وأعضاء هيئة التدريس، والحالات السريرية التي يحتاجها الطالب.
لكن هناك وجهة نظر أخرى لا تقل أهمية.
لدينا أعداد كبيرة من الطلبة الأردنيين الذين حصلوا على معدلات مرتفعة ويرغبون في دراسة الطب. ومن لم يحصل على مقعد في القبول التنافسي يتجه إلى الموازي أو الجامعات الخاصة، ومن لم يجد فرصة في الداخل يتجه إلى الجامعات خارج الأردن.
وهنا أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلًا.
إذا كان الطالب الأردني مصممًا على دراسة الطب، فلماذا لا نوفر له فرصة الدراسة داخل الأردن؟
حتى لو كانت الدراسة في الجامعات الخاصة مكلفة، فإن بقاء الطالب للدراسة في الأردن قد يكون أفضل اقتصاديًا وعلميًا من سفره إلى الخارج؛ فالأموال التي سيدفعها ستبقى بدرجة كبيرة داخل الاقتصاد الأردني، كما أن الطالب يبقى قريبًا من أسرته وبيئته، ويدرس ضمن نظام صحي ومجتمع يعرفه، ويمكن أن يتدرب في مستشفيات أردنية إذا توفرت له البنية التدريبية المناسبة.
ومن هنا فإنني أؤيد التوسع المدروس في القطاع الخاص والجامعات الخاصة لاستيعاب أعداد أكبر من الطلبة الراغبين في دراسة الطب وطب الأسنان، بشرط أن يكون التوسع مرتبطًا بقدرة حقيقية على توفير التدريب السريري والتعليم الطبي عالي الجودة.
فلا يجوز أن يكون المعيار هو عدد المقاعد فقط.
الجامعة التي تريد زيادة أعداد طلبتها يجب أن تثبت أن لديها القدرة على توفير المستشفيات والمراكز التدريبية، وأعضاء هيئة التدريس، والحالات السريرية، والمختبرات، والمحاكاة، وساعات التدريب المطلوبة لكل طالب.
وبذلك نحقق هدفين في الوقت نفسه:
الأول: عدم حرمان طالب متفوق من دراسة التخصص الذي يحلم به.
والثاني: عدم التضحية بجودة الطبيب الأردني.
وهناك جانب اقتصادي مهم أيضًا.
آلاف الطلبة الأردنيين يدرسون الطب وطب الأسنان في الخارج، وهذا يعني خروج مبالغ كبيرة من العملات الصعبة سنويًا، إضافة إلى تكاليف السكن والمعيشة والسفر والغربة.
فإذا كان بالإمكان استيعاب نسبة أكبر منهم داخل الأردن، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال سيبقى داخل الاقتصاد الوطني، وستستفيد منه الجامعات والمستشفيات وقطاعات السكن والنقل والخدمات وغيرها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مشكلة البطالة بين الأطباء.
لكنني لا أعتقد أن الحل يكون فقط بإغلاق أبواب كليات الطب أو تقليص المقاعد، لأن الطالب الذي يملك الإمكانات والرغبة سيجد طريقه في النهاية، سواء عبر الجامعات الخاصة أو الدراسة في الخارج.
لذلك يجب أن ننظر أيضًا إلى الهجرة الطبية باعتبارها فرصة يمكن إدارتها، وليس مشكلة فقط.
فالطبيب الأردني يتمتع بسمعة جيدة في العديد من الأسواق العربية والأجنبية، وإذا عمل خارج الأردن وأصبح قادرًا على المنافسة، فإنه قد يساهم من خلال تحويلاته واستثماراته وخبراته في الاقتصاد الوطني، وقد يعود يومًا بخبرة علمية ومهنية كبيرة.
إذن نحن أمام معادلة صعبة:
نريد زيادة فرص أبنائنا في دراسة الطب، ونريد المحافظة على جودة الطبيب، ونريد في الوقت نفسه عدم زيادة البطالة.
وبرأيي، الحل ليس في المنع ولا في الفتح غير المنضبط، وإنما في التوسع المدروس.
أنا مع زيادة المقاعد، ومع التوسع في القطاع الخاص والجامعات الخاصة، ومع إبقاء أكبر عدد ممكن من الطلبة داخل الأردن بدل اضطرارهم إلى الدراسة في الخارج، ولكن بشرط أن يسبق أو يواكب ذلك توسع حقيقي في التدريب السريري.
كما أنني مع وضع سياسة وطنية واضحة لتسهيل عمل الأطباء الأردنيين في الخارج والاستفادة منهم اقتصاديًا وعلميًا، بدل النظر إلى كل طبيب يغادر الأردن باعتباره خسارة.
فالطالب الذي يريد دراسة الطب لا ينظر عادة إلى كل هذه الحسابات؛ هو يرى حلمه فقط، وقد تدفع أسرته مدخراتها أو تبيع أرضًا أو عقارًا من أجل تحقيق هذا الحلم.
أما مسؤولية الدولة والجامعات فهي أن تضع الحسابات التي لا يستطيع الطالب وأسرته رؤيتها.
نحن لا نستطيع أن نمنع الناس من الحلم، ولا نستطيع السيطرة على أعداد الراغبين في دراسة الطب في الداخل والخارج.
لكن نستطيع أن نحول هذا الطلب الكبير إلى فرصة، إذا أحسنا التخطيط.
لا نريد طبيبًا أكثر عددًا وأقل تدريبًا، ولا نريد أن نخسر أموال أبنائنا في الخارج.
نريد أن يبقى الطالب في الأردن، وأن يتعلم في الأردن، وأن يتدرب تدريبًا حقيقيًا، وأن يتخرج طبيبًا كفؤًا، ثم يعمل حيث يجد فرصته؛ داخل الأردن أو خارجه.
المعادلة ليست سهلة، لكنها تستحق أن تُحسب بعقل الدولة، لا بعاطفة الطالب وحدها.



