همزة وصل -
أعلن الثلاثاء، العاهل المغربي الملك محمد السادس عن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة جديدة للحكومة المغربية، لتتوّج بذلك مساراً سياسياً وإدارياً حافلاً امتد لأكثر من عقد ونصف، أثبتت خلاله حضورها في المشهد السياسي المحلي والوطني انطلاقاً من مسقط رأسها مدينة مراكش وصولاً إلى قيادة الجهاز التنفيذي في المملكة.
ويأتي هذا التعيين في أعقاب استحقاقات انتخابية ومخاض سياسي أفرز خارطة جديدة للتحالفات الحزبية، ليفتح الفصل الأول من مرحلة قيادية جديدة تتولى فيها امرأة للمرة الأولى في تاريخ المغرب مقاليد رئاسة الجهاز التنفيذي، مُجسدةً محطة تاريخية في مسار الممارسة الديمقراطية والتعدّدية الحزبية في المغرب.
شهدت الساحة السياسية المغربية ديناميكية متصاعدة قبيل هذا التعيين، إذ أسفرت نتائج الانتخابات عن إعادة ترتيب الأوراق بين القوى السياسية الكبرى، ودخل حزب الأصالة والمعاصرة في مشاورات مكثفة وقوة تفاوضية متينة استندت إلى رصيده الانتخابي وحضوره في المجالس الترابية والحكومية.
وقد أظهرت نتائج الاقتراع وتوزيع المقاعد توازنات جديدة عززت من موقع الحزب كفاعل رئيسي في المعادلة السياسية الوطنية، مما مهد الطريق أمام قيادته لتولي مسؤولية تشكيل الحكومة الجديدة وإدارة المرحلة المقبلة برؤية تهدف إلى مواصلة الإصلاحات الهيكلية والتنموية التي تشهدها المملكة.
وتستند فاطمة الزهراء المنصوري، المولودة في الثالث من يناير سنة 1976 بمدينة مراكش، إلى خلفية أكاديمية ومهنية متينة، إذ حصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، وتوجت مسارها العلمي بدبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه الفرنسية، إلى جانب شهادة متخصصة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكية.
ومارست مهنة المحاماة بعد انضمامها إلى هيئة المحامين بمراكش في مارس 2005، متخصصة في القانون العقاري، وهي الخبرة التي منحتها دراية واسعة بالتشريعات والمعاملات القانونية المؤطرة للتنمية والاستثمار.
بدأت أولى خطوات المنصوري في الحقل العام سنة 2007 عبر مشاركتها في حركة «لكل الديمقراطيين»، لتكون لاحقاً ضمن النواة المؤسسة لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008. ولم يتأخر بروزها في المشهد الانتخابي المحلي، حيث تولت رئاسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش كأول امرأة تشغل هذا المنصب بين سنتي 2009 و2015، لتخوض بالتوازي أولى تجاربها التشريعية تحت قبة البرلمان بعد انتخابها عضواً بمجلس النواب خلال الولاية الممتدة من 2011 إلى 2016. وتواصل حضورها المؤسساتي بإعادة انتخابها نائبة برلمانية في الولاية التشريعية بين 2016 و2021، بالتزامن مع قيادتها للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة في الفترة من 2015 إلى 2024.
وفي الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021، سجلت المنصوري عودة قوية لرئاسة المجلس الجماعي لمراكش لولايات تمتد حتى سنة 2027، واقترن ذلك بدورها التنموي والسياسي رفيع المستوى عقب تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الحكومة السابقة (2021 – 2026).
وخلال فترة توليها الوزارة، أشرفت على تدبير ملفات شائكة تتعلق بالتخطيط العمراني وتحديث السياسات السكنية وبرامج إعادة التأهيل الحضري، مما أتاح لها الخبرة المباشرة في الإدارة التنفيذية وتسيير القطاعات الحيوية.
وعلى الصعيد التنظيمي الداخلي للحزب، تبوأت المنصوري منذ عام 2024 موقع منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو النموذج القيادي الجديد الذي اعتمدته الهيئة السياسية لإدارة شؤونها الحزبية، مما عكس قدرتها على تدبير التوازنات والتوافقات التنظيمية والتحالفات الوطنية.
كما تحظى المنصوري بشبكة علاقات دولية وإقليمية واسعة، حيث تم اختيارها سنة 2014 من قبل مجلة «فوربس» ضمن قائمة أكثر 20 امرأة شابة تأثيراً في إفريقيا، إضافة إلى تصنيفها في العام نفسه ضمن القادة الشباب العالميين، وتكليفها بمهام في الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين ونيابة رئيس الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية.
تأتي هذه المحطة التاريخية المتمثلة في انتقالات المنصوري المتدرجة من رئاسة مجالس جماعية ومسؤوليات برلمانية وقطاعية إلى سدة رئاسة الحكومة، لتكرس مساراً سياسياً تراكمت فيه الخبرات بين العمل الميداني القريب من المواطنين والتخطيط الاستراتيجي على مستوى القطاعات الوزارية.
وتواجه الحكومة الجديدة برئاستها مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تنشد تدبيراً ناجعاً، بما في ذلك تنشيط النمو الاقتصادي، ومواجهة التقلبات المناخية، ومتابعة
التنمية المستدامة والتعليم والصحة، بناءً على التزامها المؤسساتي والخبرات الإدارية التي تراكمت لديها طوال مسيرتها المهنية والسياسية.



