في عام انهيار الصحف.. الأخبار المحلية تنتزع ثلث جوائز بوليتزر

{title}
همزة وصل   -
في الولايات المتحدة تغلق أكثر من صحيفتين محليتين أبوابهما كل أسبوع، وتفقد بلدات كاملة آخر من يراقب مجلسها البلدي ومحاكمها وشرطتها، وفي الجهة الأخرى من المشهد، وقفت الصحافة المحليةعلى منصة بوليتزر لتنتزع أكثر من ثلث الجوائز الصحفية لعام 2026.

بدت النتيجة أقرب إلى مفارقة قاسية، فالمؤسسات التي تفقد قراءها وإعلاناتها وموظفيها هي نفسها التي أنتجت بعضاً من أكثر تحقيقات العام تأثيراً، وكأن الجائزة كانت تحتفي بقوة الصحافة المحلية في اللحظة التي يوشك فيها النموذج الذي يمولها على الانهيار.

وحصلت المؤسسات والصحفيون المحليون على 7 إشادات من مجلس بوليتزر، فيما ذهبت جائزتا الصحافة المحلية إلى «كونيتيكت ميرور» بالشراكة مع «بروبوبليكا»، وإلى فريق «شيكاغو تريبيون»، وفقاً للقائمة الرسمية للجائزة.

خريطة الاختفاء
وأفاد تقرير «حالة الأخبار المحلية 2025» الصادر عن جامعة نورث وسترن بأن نحو 40% من الصحف المحلية الأمريكية اختفت منذ عام 2005، بما يقارب 3500 صحيفة.

ويوجد اليوم 212 مقاطعة أمريكية بلا أي مصدر محلي للأخبار، مقابل 206 مقاطعات في العام السابق، بينما لا تملك 1525 مقاطعة سوى مصدر واحد، يكون في العادة صحيفة أسبوعية ضعيفة الموارد، وهذا يعني أن نحو 50 مليون شخص يعيشون مع وصول محدود أو معدوم إلى أخبار مجتمعاتهم.

ولا تتراجع أعداد الصحف وحدها، فقد انخفض توزيع المطبوعات بنحو 80 مليون نسخة خلال عقدين، أي بنسبة 70% مقارنة بعام 2005، كما تراجعت الزيارات الشهرية لمواقع 100 من أكبر الصحف بأكثر من 40% في المتوسط خلال 4 سنوات.

أما الوظائف، فقد فقد قطاع الصحف أكثر من ثلاثة أرباعها منذ عام 2005، وسجل انخفاضاً إضافياً بنسبة 7% خلال عام واحد، ولم تعد الصحف اليومية التي تطبع وتوزع طوال أيام الأسبوع تمثل حتى خُمس الصحف الأمريكية.

هذه ليست أزمة ورق، فحين تختفي الصحيفة لا تختفي صفحات مطبوعة فقط، يختفي الصحفي الذي يعرف أسماء المسؤولين المحليين، ويتابع العقود العامة، ويفهم تاريخ القرارات الصغيرة التي لا تصل عادة إلى شاشات القنوات الوطنية.

سيارة مسحوبة
وجاء أحد أبرز انتصارات بوليتزر من قصة تبدو، للوهلة الأولى، أصغر من أن تصبح تحقيقاً وطنياً، سيارة تُسحب من مالكها في ولاية كونيتيكت.

لكن صحفيي «كونيتيكت ميرور» و«بروبوبليكا» اكتشفوا أن قوانين الولاية منحت شركات السحب مساحة لاستغلال السكان، خصوصاً من يعيشون من راتب إلى آخر، وسمحت ببيع السيارة بعد 15 يوماً فقط من سحبها، وهي من أقصر المدد في الولايات المتحدة.

استمر العمل على سلسلة «On the Hook» نحو عامين، وجمع بين البلاغات المجتمعية وتحليل البيانات والمقابلات والوثائق، وانتهى إلى تعديل القوانين وتشديد حماية المستهلك، ثم منح أصحابه جائزة بوليتزر للصحافة المحلية.

اللافت أن «كونيتيكت ميرور» ليست صحيفة ورقية عريقة، وإنما مؤسسة رقمية غير ربحية أُطلقت عام 2010 عندما بدأ عدد الصحفيين المكلفين بتغطية حكومة الولاية يتراجع، وانطلقت بفريق من 4 موظفين، بينهم صحفيان فقط، قبل أن يصل فريقها الصحفي إلى 20 موظفاً.

وكان الفوز الأول في تاريخ المؤسسة، والثاني خلال عامين لمؤسسة رقمية غير ربحية في الفئة نفسها، بعد فوز «بالتيمور بانر» في 2025، ما يقدم مؤشراً إلى أن الصحافة المحلية لم تختف، وإنما بدأت تبحث عن جسد اقتصادي جديد.

مدينة محاصرة
وتقاسمت «شيكاغو تريبيون» الجائزة عن تغطيتها حملة أمنية واسعة لإنفاذ قوانين الهجرة داخل المدينة، وهي مادة قُدمت في الأصل ضمن فئة الخدمة العامة، قبل أن ينقلها مجلس بوليتزر إلى فئة الصحافة المحلية ويمنحها الجائزة.

وصفت التغطية كيف انعكست القرارات الفيدرالية على الشوارع والأحياء والعائلات، وكيف وحّدت المداهمات سكان المدينة في مقاومتها، وهنا تظهر الوظيفة التي يصعب على الإعلام الوطني أداؤها وحده، إذ يستطيع شرح القرار السياسي، لكنه يحتاج إلى الصحفي المحلي ليكشف ما يفعله القرار عندما يصل إلى باب منزل أو مدرسة أو متجر.

وتجمع هذه الأعمال سمة يصعب تصنيعها من بعيد، القرب، فالصحفي المحلي لا يصل إلى مكان الحادث بالمظلة، إنه يعرف المكان قبل أن يصبح خبراً، ويبقى فيه بعد أن تغادر عدسات الإعلام الكبرى.

نموذج جديد
ولا تعني جوائز بوليتزر أن أزمة الصحافة المحلية حُلّت، فجائزة واحدة لا تمول غرفة أخبار، ولا تعيد صحيفة إلى مقاطعة فقدتها، ولا توفر راتباً لمراسل مجلس بلدي.

لكنها تكشف الطريق الذي بدأت بعض المؤسسات تسلكه، شراكات بين غرف الأخبار الصغيرة والمؤسسات الاستقصائية الكبرى، وتمويل غير ربحي، وتبرعات من القراء، وتبادل للصحفيين والخبرات، وتركيز على قضايا محددة يمكن قياس أثرها.

وقد رصدت جامعة نورث وسترن ظهور أكثر من 300 مؤسسة محلية ناشئة خلال 5 سنوات، بدعم من الاستثمار الخيري ومبادرات السياسات العامة، إلا أن معظم المواقع الرقمية الجديدة تتركز في المدن والمناطق القادرة اقتصادياً، ولا تنمو بالسرعة الكافية لتعويض الصحف التي تختفي في المناطق الريفية.

ولهذا لا تقول نتائج بوليتزر إن الصحافة المحلية بخير، إنها تقول شيئاً أكثر إلحاحاً، إن قيمتها تزداد فيما قدرتها على البقاء تتراجع.
© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير