إيناس عز الدين.. حين ينتصر الإحساس على ضجيج المشهد وتستعيد الأغنية العربية هيبتها

{title}
همزة وصل   -

القاهرة :مريم عوض 

في زمن بقت فيه الأضواء أحيانًا أعلى من قيمة الفن، وبقى الانتشار السريع معيارًا بيحكم على النجومية قبل الموهبة، ييجي نجاح إيناس عز الدين في مهرجان الموسيقى العربية علشان يطرح سؤالًا مهمًا: هل لسه الصوت الحقيقي قادر يفرض نفسه وسط كل الضجيج ده؟ الإجابة مش محتاجة مبالغة ولا عبارات إنشائية، لأن الوقوف على مسرح بحجم مهرجان الموسيقى العربية مش مجرد ظهور فني عابر، لكنه اختبار حقيقي لقدرة المطرب على التواصل مع جمهور جاي يسمع الطرب، ويتفاعل مع الإحساس، ويدوّر على قيمة فنية تفضل معاه بعد ما الحفل يخلص.

نجاح إيناس عز الدين في المهرجان يفتح الباب لقراءة أعمق من مجرد الحديث عن إطلالة أو تصفيق أو لحظة إعجاب؛ إحنا قدام مساحة فنية لها طبيعتها الخاصة، مساحة بتفرض على المطرب إنه يثبت نفسه بالصوت والأداء والقدرة على احترام تاريخ الأغنية العربية، من غير ما يفقد شخصيته أو يتحول إلى مجرد نسخة من أصوات سبقته. وهنا تكمن أهمية التجربة، لأن الغناء في حضرة التراث مش مهمة سهلة، والتعامل مع جمهور بيقدّر التفاصيل الموسيقية بيحتاج إلى وعي واختيار وحضور، مش مجرد امتلاك صوت جميل.

والأهم إن النجاح في مهرجان زي ده بيحمل دلالة مختلفة، لأن الجمهور هنا مش بالضرورة جاي يدور على الأغنية الأكثر انتشارًا أو الاسم الأكثر تداولًا على مواقع التواصل، لكنه جاي وهو محمّل بذاكرة موسيقية وذائقة بتعرف تفرّق بين الأداء اللي بيكتفي باستعراض الإمكانيات، والأداء اللي بيقدر يوصل المعنى والإحساس. وعلشان كده، فإن قيمة مشاركة إيناس عز الدين لا تتوقف عند حدود النجاح في ليلة فنية، لكنها تمتد إلى قدرتها على تأكيد وجودها داخل مساحة بتمنح الموهبة فرصة حقيقية للظهور بعيدًا عن الحسابات التجارية السريعة.

لكن القراءة النقدية للنجاح تقتضي كمان إننا ما نكتفيش بالاحتفاء، لأن أي تجربة فنية تستحق التقدير تستحق في الوقت نفسه التقييم الموضوعي. فالمشاركة في مهرجان الموسيقى العربية ممكن تكون محطة مهمة في مسيرة الفنان، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل المحطة إلى خطوة مستمرة، والبناء عليها باختيارات غنائية أكثر نضجًا، ومشروع فني واضح يقدر يخلق علاقة طويلة المدى مع الجمهور. فالنجاح الحقيقي مش إن الفنان يثبت إنه قادر على الوقوف على مسرح كبير، لكن إنه يخرج من التجربة وهو أقدر على تقديم نفسه، وأكثر وضوحًا في هويته، وأقرب إلى الجمهور من غير ما يتنازل عن خصوصيته الفنية.

ومن زاوية تانية، فإن وجود أصوات تسعى إلى إثبات نفسها في مهرجان الموسيقى العربية يكتسب أهمية في وقت بتواجه فيه الأغنية الطربية تحديات كبيرة، من تغيّر أنماط الاستماع إلى هيمنة المحتوى السريع، ومن تراجع المساحة المتاحة للأعمال الطويلة إلى سيطرة منطق الترند على جانب من المشهد الغنائي. وهنا بتظهر قيمة المهرجان باعتباره مساحة لاختبار الأصوات وإعادة طرح سؤال الجودة، مش باعتباره مجرد مناسبة سنوية للاحتفاء بالأسماء المشاركة. فالفن مش مطلوب منه يعيش في الماضي، لكنه مطالب يعرف جذوره وهو بيتحرك نحو المستقبل، ودي المعادلة اللي بتمنح أي تجربة طربية جادة أهميتها الحقيقية.

إيناس عز الدين أمام فرصة تتجاوز التصفيق إلى تثبيت المكانة، وأمام مسؤولية أكبر من مجرد إثبات الحضور. فالجمهور ممكن ينبهر في ليلة، لكنه لا يمنح ثقته الفنية على المدى الطويل إلا لمن يملك مشروعًا متماسكًا، ويعرف إزاي يطوّر أدواته ويحافظ على صدقه في الوقت نفسه. ومن هنا، فإن الرهان الأهم بعد المهرجان مش على حجم الاحتفاء اللحظي، لكن على ما يمكن أن تبنيه الفنانة فوق هذه الخطوة، وكيف يمكن أن تستثمرها في تقديم اختيارات تليق بصوتها وتضيف إلى رصيدها الفني.


كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير