مي كساب وعودة فضل شاكر… موقف يتجاوز المجاملة ويكشف الوجه الإنساني للفن

{title}
همزة وصل   -

القاهرة :مريم عوض 

في وقت بقت فيه المواقف الفنية بتتقاس بسرعة الانتشار وحجم الجدل اللي بتعمله على السوشيال ميديا، ييجي موقف الفنانة مي كساب من عودة فضل شاكر علشان يفتح باب مهم للنقاش: هل الفنان لما بيدعم فنان تاني، بيكون مجرد زميل بيعبّر عن محبته، ولا بيكون عنده موقف إنساني وفني يستحق إننا نتوقف عنده؟

الحكاية هنا مش مجرد اسم فني بيرجع للواجهة، ولا مجرد صوت له جمهوره وتاريخه، لكن تجربة فيها مشاعر متشابكة، وذاكرة فنية، وأسئلة عن معنى الدعم وحدوده، وعن قدرة الفن إنه يفضل مساحة تجمع الناس حتى وسط الخلافات والجدل.

مي كساب، بحضورها الفني وشخصيتها القريبة من الجمهور، بتخلّي موقفها من عودة فضل شاكر مدخلًا لسؤال أعمق: هل ممكن نختلف في تقييم تجربة إنسانية، وفي الوقت نفسه نعترف بقيمة فنية تركت أثرها في وجدان الناس؟

الإجابة مش سهلة، لكنها ضرورية.

فضل شاكر… صوت له مكانه في ذاكرة الجمهور

صعب نتكلم عن فضل شاكر من غير ما نفتكر إن صوته ارتبط عند جمهور كبير بمرحلة كاملة من الأغنية العربية. صوته كان حاضرًا في حكايات الحب والغياب والحنين، وفي لحظات شخصية كتير عاشها الناس مع أغانيه، لدرجة إن بعض أعماله بقت جزءًا من ذاكرتهم، مش مجرد أغنيات بيسمعوها وخلاص.

وعشان كده، عودته بالنسبة لقطاع من الجمهور مش مجرد عودة مطرب للساحة، لكنها استعادة لصوت غاب عن المشهد فترة طويلة، وفضل رغم الغياب محتفظًا بمكانته عند محبيه.

وهنا تظهر أهمية أي موقف دعم فني؛ لأنه بيعبّر، في جانب منه، عن الإيمان بأن الموهبة ممكن تفضل حاضرة حتى بعد سنوات من الغياب، وأن الجمهور أحيانًا بيحتفظ بعلاقته بالأغنية مهما اتغيرت الظروف.

مي كساب… هل الدعم معناه الاتفاق على كل شيء؟

أهم نقطة في أي نقاش عن دعم فنان لزميله هي إننا ما نحولش الموقف إلى معركة أبيض وأسود.

فالدعم الفني مش بالضرورة معناه الموافقة على كل تفاصيل حياة الشخص، ولا الإعجاب بصوته معناه تجاهل الأسئلة المرتبطة بتجربته. وفي المقابل، الاختلاف مع شخص أو التحفظ على بعض جوانب حكايته مش معناه إننا لازم ننكر قيمته الفنية أو نمسح تأثيره من ذاكرة الجمهور.

المسألة محتاجة قدر من النضج، خصوصًا في زمن السوشيال ميديا اللي بيحوّل أي موقف إلى اختبار ولاء، وكأن كل شخص مطالب يختار معسكرًا ويدافع عنه من غير أي مساحة للتفكير.

ومن هنا، فإن قراءة موقف مي كساب تستحق إننا نبص لها بعيدًا عن المبالغة في التمجيد أو الهجوم. فالمواقف الفنية ممكن تكون مساحة للتعبير عن التضامن أو التقدير، لكنها ما ينفعش تتحول تلقائيًا إلى أحكام نهائية على تجربة كاملة.

من حق الفنان يعبّر عن موقفه، ومن حق الجمهور يناقشه، لكن مش من حق أي طرف يختزل الحقيقة كلها في منشور أو تصريح أو موجة غضب عابرة.

لما الزمالة الفنية تتحول إلى موقف له معنى

في الوسط الفني، العلاقات بين الفنانين مش دايمًا بتكون مجرد تعاونات وأعمال مشتركة. أحيانًا بتكون فيه مواقف إنسانية بتكشف عن طريقة كل فنان في فهم الزمالة، وعن قدرته على التعبير عن رأيه حتى لما يكون الرأي محل نقاش.

لكن الدعم الحقيقي مش مجرد كلمة تتقال وقت الاهتمام، ولا موقف يحقق تفاعلًا كبيرًا على المنصات. الدعم اللي له قيمة هو اللي بيكون نابعًا من قناعة واضحة، وبيتحمل صاحبه مسؤولية التعبير عنه، من غير استغلال لمشاعر الجمهور أو محاولة لتقديم رواية مبسطة عن قصة معقدة.

وفي المقابل، مش مطلوب من كل فنان إنه يتحول إلى قاضٍ أو محلل لكل تفاصيل حياة زملائه. لكن المطلوب مننا، كجمهور، إننا نفهم الفرق بين التقدير الفني وبين إصدار الأحكام على الوقائع والقضايا العامة.

وده تحديدًا اللي بيخلي النقاش عن عودة فضل شاكر أكبر من مجرد سؤال: مين دعمه ومين ما دعموش؟

الفن أكبر من الخلافات… لكنه مش بديل عن الحقيقة

الأغنية عندها قدرة نادرة على الوصول إلى الناس من غير استئذان. ممكن صوت واحد يلمس شخصًا في مصر، وآخر في لبنان، وثالث في بلد عربي مختلف، رغم اختلاف التجارب والظروف. ودي واحدة من أجمل نقاط قوة الموسيقى العربية.

لكن قوة الفن ما تعنيش إنه قادر يمحو كل الأسئلة، ولا إن المشاعر المفروض تحل محل الحقائق. ممكن نحب أغنية، ونتأثر بصوت، ونقدّر موهبة، وفي الوقت نفسه نحتفظ بحقنا في التفكير النقدي وعدم اختزال أي تجربة في جانب واحد.

وده مش تناقض، بالعكس؛ ده دليل على إننا بنتعامل مع الفن بعقل وقلب في الوقت نفسه.

أما مي كساب، فإن تقييم موقفها لازم يكون مرتبطًا بما صدر عنها فعلًا، من غير تحميل كلامها معاني إضافية أو افتراض إنها تقصد أكتر مما أعلنت. لأن النقد المحترم يبدأ من الوقائع، مش من النوايا اللي بنفترضها.

في النهاية… الموقف أهم من الضجيج

عودة فضل شاكر هتفضل موضوعًا قابلًا للنقاش بين اللي شايفينها عودة لصوت مهم في الأغنية العربية، واللي عندهم تحفظات على جوانب من تجربته. وده طبيعي في أي قضية بتجمع بين الفن والذاكرة والرأي العام.

أما دعم مي كساب، فالقيمة الحقيقية في مناقشته مش في تحويله إلى انتصار لطرف على طرف، لكن في استخدامه لفتح مساحة أوسع للحوار عن معنى الزمالة، وحدود الدعم، وحق الجمهور في إنه يحب وينتقد في الوقت نفسه.

لأن الفن مش محتاج مننا نلغي عقولنا علشان نسمع، ولا ندفن مشاعرنا علشان نفكر.

وفي زمن بقى فيه الحكم أسرع من الفهم، يمكن أهم موقف نقدر ناخده هو إننا نسمع بإنصاف، ونختلف باحترام، وما نسمحش للجدل إنه يحول كل قضية إلى معركة.

ففي النهاية، لا تصفيق النجوم وحده يصنع قيمة الفنان، ولا غضب الجمهور وحده يختصر حكايته. اللي بيصنع القيمة الحقيقية هو الفن نفسه، والصدق في التعامل مع الوقائع، والقدرة على ترك مساحة للإنسانية من غير ما نتنازل عن حقنا في النقد.

وده هو السؤال اللي يستحق أن يفضل مفتوحًا: هل نقدر نختلف من غير ما نلغي، وندعم من غير ما نقدّس، ونحب الفن من غير ما نتخلى عن حقنا في التفكير؟

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير