سيمون ووجع الحنين إلى الأم: حين تعجز اثنتا عشرة سنة عن إقناع القلب بأن الغياب حقيقة

{title}
همزة وصل   -

القاهرة :مريم عوض 

ليست كل الكلمات التي نكتبها مجرّد عباراتٍ عابرة، فبعضها يفتح أبوابًا موصدة في الذاكرة، ويوقظ أوجاعًا ظننا أن الزمن أخمدها، ويضعنا وجهًا لوجه أمام الحقيقة الأكثر قسوة في التجربة الإنسانية: أن الذين يمنحون حياتنا معناها قد يرحلون عن أعيننا، لكنهم لا يرحلون بالضرورة عن أعماقنا. هكذا تبدو كلمات الفنانة سيمون وهي تستحضر أمها بعد اثنتي عشرة سنة من الرحيل: «ماما… وحشتيني، يا رب تكوني مرتاحة ويرحمك يا أمي، ادعيلي». كلمات قليلة في عددها، لكنها شاسعة في دلالتها، تختزل مأساة الفقد، وفلسفة الذاكرة، وعجز الزمن عن انتزاع من نحب من جذور أرواحنا. فكيف يمكن لاثنتي عشرة سنة أن تمرّ، بينما لا يزال القلب قادرًا على استدعاء أمه بكل هذا الحنين؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يتصالح مع غياب مَن كان وجودها، في حد ذاته، شكلًا من أشكال الطمأنينة التي لا تُشترى ولا تُعوَّض؟

إن ما يلفت النظر في كلمات سيمون ليس مجرد اشتياق ابنة إلى أمها، بل ذلك التناقض العميق بين زمنٍ يمضي بلا اكتراث، وقلبٍ لا يعترف دائمًا بقوانين الزمن. فالسنوات تتراكم، والوجوه تتغيّر، والحياة تفرض إيقاعها القاسي، لكن ثمة غيابًا لا يتحوّل إلى ذكرى باردة مهما طال العهد به؛ لأن بعض الذين نفقدهم لا يشغلون مساحةً في حياتنا فحسب، بل يسكنون البنية الداخلية لوجودنا، ويصبحون جزءًا من الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم. والأم، على وجه الخصوص، ليست شخصًا يمكن استبداله بآخر، ولا علاقةً تنتهي بانتهاء اللقاء، بل هي الجذر الأول الذي تشكّلت حوله معاني الأمان والانتماء والحب. وحين ترحل، لا نفقد إنسانًا عزيزًا فقط، بل نفقد ذلك اليقين العفوي بأن هناك قلبًا في هذا العالم سيظلّ يرانا بعين الرحمة، مهما أخطأنا، ويحتضن ضعفنا، مهما اشتدّت قسوتنا على أنفسنا.

ولعل أكثر ما يوجع في منشور سيمون هو انتقالها من عبارة «وحشتيني» إلى رجاء «ادعيلي»؛ ففي المسافة بين العبارتين تختبئ حكاية كاملة عن الإنسان حين يفقد ملاذه الأول. فالابنة، مهما بلغت من النضج والقوة، قد تظلّ في أعماقها محتاجةً إلى أمها؛ لا لأنها عاجزة عن مواجهة الحياة، بل لأن هناك احتياجات إنسانية لا تلغيها السنون، ولا يسقطها النضج، ولا يعوّضها النجاح أو الشهرة أو اتساع دوائر العلاقات. قد يملك الإنسان العالم من حوله، لكنه يظلّ يفتقد شخصًا واحدًا كان يستطيع، بمجرد حضوره، أن يجعل العالم أقلّ قسوة. وقد يصفّق له الجميع، بينما يظلّ في داخله حنينٌ صامت إلى صوتٍ واحدٍ لن يسمعه بالطريقة التي اعتادها من جديد.

وهنا تتجلّى المفارقة الفلسفية الكبرى في تجربة الفقد؛ فنحن لا ندرك دائمًا القيمة الوجودية للأشخاص الذين يمنحون حياتنا استقرارها إلا حين يصبح حضورهم مستحيلًا. نعتاد الوجوه التي تحبنا، ونؤجّل كلمات الامتنان، ونظنّ أن الوقت متّسع لمزيد من الأحاديث والعناق والاعتذارات، حتى يأتي الموت ليكشف لنا هشاشة هذا الاطمئنان. عندها نفهم أن الحياة لم تكن مضمونة كما تصوّرنا، وأن التفاصيل التي مررنا بها دون انتباه كانت تحمل من النعمة أكثر مما أدركنا، وأن الإنسان قد ينفق عمرًا كاملًا في البحث عن الأمان، بينما كان يجده يومًا في حضن أمّه دون أن يحتاج إلى تفسير أو مقابل.

لكن هل يعني استمرار الاشتياق بعد اثنتي عشرة سنة أن الحزن لم يبرح مكانه؟ أم أن بعض الأحزان لا تُشفى بالطريقة التي نتصوّرها، وإنما تتغيّر علاقتنا بها؟ لعلّ الخطأ في فهم الفقد أننا نتعامل معه أحيانًا باعتباره جرحًا ينبغي أن يختفي تمامًا، بينما تكشف التجربة الإنسانية أن الحب العميق لا يُمحى كي نستطيع مواصلة الحياة. نحن لا نتجاوز من أحببناهم بالضرورة عبر نسيانهم، بل قد نتعلّم كيف نواصل الطريق وهم يسكنون ذاكرتنا، وكيف نحوّل الحنين من ألمٍ يشلّنا إلى أثرٍ يرافقنا، وكيف نمنح الغائبين حياةً أخرى داخل قيمنا وسلوكنا وما نتركه في العالم من خير. فالأم التي رحلت قد لا تعود إلى البيت، لكن ما زرعته في ابنتها قد يظلّ حاضرًا في طريقة حديثها، وفي قدرتها على الحب، وفي صبرها أمام الشدائد، وفي تلك التفاصيل التي تحمل ملامحها من دون أن تقصد.

أما الدعاء الذي تختتم به سيمون كلماتها، فيحمل معنى يتجاوز الحزن الشخصي إلى سؤال الإنسان الأزلي عن الصلة بين من رحلوا ومن بقوا. إنها تتمنّى لأمها الرحمة والراحة، ثم تطلب منها أن تدعو لها؛ وكأن المحبة، في وجدانها، ما زالت تبحث عن امتدادها خارج حدود الغياب. ولا ينبغي أن نختزل هذه العبارة في مجرّد تعبير عاطفي، لأنها تكشف عن حاجة الروح إلى الاحتفاظ بخيطٍ من الصلة مع مَن أحبّت، وعن إيمانٍ وجداني بأن العلاقات الصادقة لا تصبح بلا معنى لمجرد أن الموت أنهى حضور أصحابها في حياتنا اليومية. وما نعرفه يقينًا أن أثر الأم لا ينتهي برحيلها، وأن محبتها قد تظلّ مصدرًا للقوة والسكينة في قلب ابنتها، حتى حين تعجز الكلمات عن تفسير ذلك الشعور.

إن منشور سيمون يضعنا أيضًا أمام مسؤولية أخلاقية كثيرًا ما نغفل عنها: أن نحبّ من لا يزالون بيننا قبل أن يتحوّل حبّنا لهم إلى كلماتٍ نكتبها في الغياب. أن نصغي إلى أمهاتنا، وأن نمنحهنّ الوقت الذي نظنّ دائمًا أننا نملكه، وأن ندرك أن الاهتمام ليس تفصيلًا ثانويًا في العلاقات الإنسانية، بل هو جوهرها الحقيقي. فليس أشدّ إيلامًا من أن نكتشف، بعد فوات الأوان، أن بعض اللحظات التي مررنا بها باعتبارها عادية كانت في حقيقتها أثمن ما نملك، وأن حضنًا كان متاحًا لنا ذات يوم أصبح أمنيةً لا يحقّقها التمنّي، وأن كلمةً بسيطةً كان يمكن قولها في لحظة حبّ صارت، بعد الرحيل، محمّلةً بكل ما لم يعد ممكنًا.

ومع ذلك، فإن الوفاء للأم لا ينبغي أن يتحوّل إلى إقامةٍ دائمة في الحزن، بل إلى قدرةٍ على مواصلة الحياة بما يليق بما منحته لنا. فليس في استمرار الحياة خيانةٌ للراحلين، وليس في الابتسام بعد الفقد انتقاصٌ من محبتهم؛ إنما الوفاء الأعمق هو أن نحمل ما علّمونا إياه، وأن نحفظ أثرهم في أفعالنا، وأن نواصل بناء الحياة التي تمنّوا لنا أن نحياها. فربما لا نستطيع إعادة الذين فقدناهم، لكننا نستطيع ألّا نسمح للغياب بأن يسلبنا القدرة على الحب، وألّا نترك الحزن يمحو ما تبقّى لنا من فرصٍ للفرح والامتنان والطمأنينة.

اثنتا عشرة سنة يا سيمون، وما زالت كلمة «ماما» قادرةً على اختصار المسافة بين الأمس واليوم، وما زال الحنين قادرًا على إسقاط كل ما صنعته السنوات من مسافاتٍ ظاهرية. وهذه هي المفارقة التي تجعل الأم مختلفةً عن سائر الغائبين؛ فبعض الأشخاص يمرّون في حياتنا ثم يصبحون جزءًا من ماضينا، أما الأم فتظلّ، حتى بعد رحيلها، جزءًا من الطريقة التي نشعر بها بالحياة ذاتها. إنها ليست مجرّد وجهٍ في الذاكرة، بل أصلٌ من أصول الحكاية، وكلما عدنا إلى أعماقنا وجدنا شيئًا منها ما زال هناك؛ في نبرةٍ تشبه نبرتها، أو نصيحةٍ نتذكّرها في اللحظة المناسبة، أو دعاءٍ نردّده، أو شعورٍ غامض بأن الحب الذي منحته لنا أكبر من أن تنهيه واقعة الموت.

رحم الله أمّ سيمون، ورحم كل أمٍّ تركت وراءها قلبًا لا يزال يناديها رغم مرور السنين، وجبر خواطر الذين يبتسمون أمام العالم بينما يخبّئون في أعماقهم حنينًا لا يعرفون كيف يشرحونه.

فالحقيقة التي لا يريد القلب أن يتعلّمها، مهما تقدّم به العمر، هي أن الإنسان قد يعتاد غياب أمّه، لكنه لا يتعلّم أبدًا كيف يصبح وجودها غير ضروري؛ لأن الأم ليست فصلًا من فصول الحياة نطويه حين ينتهي، بل هي الجذور التي تظلّ ممتدّةً في أعماقنا، حتى بعد أن يغيب الوجه الذي علّمنا للمرة الأولى معنى الحب.

كلمات دلالية :

© جميع الحقوق محفوظة لهمزة وصل 2024
تصميم و تطوير