همزة وصل -
القاهرة :مريم عوض
من خشبة المسرح إلى بناء الإنسان.. النجمة اللبنانيةتانيا قسيس تراهن على قوة الموسيقى في اكتشاف المواهب، واحتضان الاختلاف، ومنح الأطفال، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة، فرصة حقيقية ليكونوا جزءًا من المشهد الفني ليس فقط في لبنان بل امتد المشروع إلى دبي لكي يحتضن جميع المواهب والفرصة على إتاحة ظهورهم إلى النور.
في الوقت الذي تُقاس فيه النجاحات الفنية غالبًا بحجم الحضور على المسارح، وعدد الجوائز، واتساع الانتشار، تختار النجمة اللبنانية تانيا قسيس أن تفتح بابًا آخر للنجاح، أكثر عمقًا وأبعد أثرًا؛ بابًا لا يبدأ من الأضواء، بل من الإنسان، ولا يتوقف عند اكتشاف الموهبة، بل يمتد إلى منحها الفرصة لتنمو وتجد صوتها الخاص. فمن خلال مشروعها «ONE HARMONY Music Hub»، تطرح قسيس رؤية تتجاوز المفهوم التقليدي لتعليم الموسيقى والغناء، لتجعل من الفن مساحة مفتوحة للتعلّم والاندماج والتعبير عن الذات، من دون أن تكون الاحترافية المسبقة شرطًا للدخول إلى هذا العالم.
«الموسيقى للجميع».. ليست شعارًا بل فلسفة عمل
ما يمنح مشروع «ONE HARMONY» خصوصيته لا يكمن في تقديم دروس للغناء والعزف فحسب، بل في الفكرة التي ينطلق منها: الموسيقى ليست حكرًا على أصحاب الأصوات الاستثنائية، ولا امتيازًا لمن يمتلكون خلفية فنية أو تدريبًا سابقًا، وإنما لغة إنسانية تتسع للجميع، وتمنح كل فرد فرصة لاكتشاف ما بداخله، وفق قدراته وإمكاناته. وهنا تحديدًا تتجلى ملامح رؤية تانيا قسيس؛ إذ لا تتعامل مع التعليم الموسيقي باعتباره طريقًا لإعداد الفنانين المحترفين فقط، بل باعتباره تجربة قادرة على بناء الثقة، وتحفيز الإبداع، وتعزيز التواصل الإنساني.
ومن هذا المنطلق، تفتح الأكاديمية أبوابها أمام الأطفال والمبتدئين، وتمنح ذوي الاحتياجات الخاصة مساحة للمشاركة في الأنشطة الموسيقية، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز التعليم إلى ترسيخ مفهوم أكثر شمولًا للفن، يقوم على أن الاختلاف لا ينتقص من القدرة على الإبداع، وأن لكل إنسان طريقته الخاصة في التعبير، وصوته الذي يستحق أن يُسمع.
من تعلّم النغمات إلى اكتشاف الذات
في الكواليس، تبدو الصورة أبعد من مجرد مجموعة أطفال يتدرّبون على أداء أغنية جماعية؛ فهناك تجربة تقوم على الإصغاء، والتفاعل، والانضباط، والعمل المشترك، حيث يتعلّم كل طفل أن يكون جزءًا من نسيج موسيقي متكامل، من دون أن يفقد خصوصية صوته أو حضوره. إنها فلسفة ترى في الانسجام أكثر من مجرد توافق بين النغمات؛ فالانسجام الحقيقي يبدأ حين تتعدد الأصوات، وتختلف القدرات، ثم تجد جميعها مساحة مشتركة تلتقي فيها.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في مرحلة الطفولة، حين لا يكون المطلوب اكتشاف موهبة فنية فحسب، بل مساعدة الطفل على اكتساب الثقة بنفسه، والتعبير عن مشاعره، وتطوير قدرته على التواصل والمشاركة. فالتعليم الموسيقي، في هذا السياق، لا يقتصر على الجانب التقني، بل يصبح وسيلة لتوسيع مدارك الطفل، وتعزيز حضوره، وتشجيعه على خوض التجربة من دون خوف من الخطأ أو القلق من المقارنة بالآخرين.
ذوو الاحتياجات الخاصة في قلب التجربة.. لا على هامشها
لعلّ البعد الأكثر إنسانية في هذه الرؤية يتمثل في إتاحة الفرصة أمام ذوي الاحتياجات الخاصة للمشاركة في عالم الموسيقى، باعتبارهم جزءًا أصيلًا من المجتمع الفني، لا استثناءً يُضاف إلى المشهد من باب المجاملة. فالشمول الحقيقي لا يتحقق بمجرد الحديث عن إتاحة الفرص، بل ببناء بيئات تعليمية تراعي اختلاف الاحتياجات، وتحترم الفروق الفردية، وتمنح كل شخص إمكانية المشاركة والتطور وفق ما يناسبه.
ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات التي تسعى إلى كسر الصورة النمطية عن القدرات والمواهب، وتعيد طرح السؤال الأهم: كم من موهبة يمكن أن تظل غير مكتشفة، لا لأنها تفتقر إلى الإمكانات، بل لأنها لم تجد البيئة المناسبة التي تساعدها على الظهور؟ إنها زاوية تضع المسؤولية على المؤسسات التعليمية والفنية في توفير مساحات أكثر انفتاحًا ومرونة، بحيث لا يصبح الاختلاف عائقًا أمام التجربة الإبداعية.
وفي هذا الإطار، يحمل مشروع «ONE HARMONY» رسالة تتجاوز حدود التدريب الموسيقي إلى الإيمان بحق الجميع في الوصول إلى الفن والمشاركة فيه، مع أهمية تصميم البرامج والأنشطة بما يتناسب مع احتياجات المشاركين وقدراتهم المختلفة.
تانيا قسيس.. حين تتحول الخبرة الفنية إلى مشروع ذي أثر
من خلال هذه المبادرة، تتجه تانيا قسيس إلى مساحة مختلفة من العمل الفني؛ مساحة لا يكون فيها الفنان مجرد مؤدٍ يقف أمام الجمهور، بل صاحب رؤية يستطيع توظيف خبرته وشغفه في بناء تجربة تترك أثرًا يتجاوز لحظة العرض. فالموسيقى، في صورتها الأكثر نضجًا، لا تنفصل عن المجتمع الذي تنشأ فيه، ولا عن قدرتها على خلق مساحات للتواصل بين أفراده، مهما اختلفت أعمارهم أو تجاربهم أو قدراتهم.
ويقدّم «ONE HARMONY Music Hub» مجموعة من المسارات والأنشطة الموسيقية، تشمل التدريب على الغناء والصوت، وتعليم العزف على الآلات الموسيقية، إلى جانب برامج تستهدف الأطفال والمبتدئين، مع توجه نحو إتاحة تجربة موسيقية أكثر شمولًا. وتمنح هذه المسارات المشروع بعدًا تعليميًا ومجتمعيًا في آن واحد، إذ تجمع بين تنمية المهارات الفنية وإتاحة فرص المشاركة أمام شرائح أوسع من المجتمع.
واللافت في هذه الفكرة أنها تنقل مفهوم النجاح من التركيز على النتيجة النهائية وحدها إلى الاهتمام بالرحلة نفسها؛ فليس كل طفل مطالبًا بأن يصبح مطربًا أو عازفًا محترفًا، وليس كل من يدخل عالم الموسيقى يسعى إلى الوقوف على المسرح. قد تكون القيمة الحقيقية في طفل اكتشف ثقته بنفسه، أو آخر وجد في الغناء وسيلة للتعبير، أو تجربة جماعية تعلّم المشاركين فيها معنى الإصغاء والتعاون واحترام الاختلاف.
«ONE HARMONY».. الاسم الذي يلخّص الرسالة
يحمل اسم المشروع دلالة تتجاوز المعنى الموسيقي المباشر؛ فالوئام لا يعني أن تكون جميع الأصوات متشابهة، بل أن تجد الأصوات المختلفة طريقة للالتقاء من دون أن تفقد هويتها. وهي الفكرة التي تمنح المبادرة عنوانها الأكثر تعبيرًا: عالم لا يحتاج فيه الجميع إلى امتلاك الصوت نفسه، بل إلى فرصة عادلة للمشاركة.
وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات تربط الثقافة بالتعليم والمسؤولية المجتمعية، تبرز أهمية المشاريع التي لا تكتفي بتقديم الخدمة، بل تنطلق من فلسفة واضحة تجاه الإنسان وحقه في التعبير والإبداع. ومن هذه الزاوية، تبدو مبادرة تانيا قسيس محاولة لتوسيع وظيفة الموسيقى، بحيث لا تظل حبيسة قاعات التدريب أو منصات العروض، بل تصبح جزءًا من تجربة إنسانية أكثر اتساعًا، تتيح للأطفال اكتشاف قدراتهم، وتمنح الاختلاف مكانه الطبيعي داخل المشهد.
في النهاية، لا تكمن قيمة «ONE HARMONY Music Hub» في عدد الدروس التي يقدمها أو المهارات التي يعلّمها فحسب، بل في الفكرة التي يسعى إلى ترسيخها: أن الموسيقى لا تحتاج إلى أن تصنع من الجميع نجومًا، بل أن تمنح كل إنسان فرصة ليكتشف صوته، وأن الفن يبلغ أسمى معانيه حين لا يترك أحدًا خارج المشهد. وهي رسالة تضع تانيا قسيس أمام تجربة تتجاوز حدود الأداء الفني، لتلتقي فيها الموسيقى بالتعليم، والموهبة بالاحتواء، والإبداع بحق الإنسان في أن يجد مكانه وصوته بين الآخرين.



