همزة وصل -
القاهرة :مريم عوض
ليست الإطلالة الفنية مجرد ثوب ترتديه نجمة أمام عدسات الكاميرات، وليست الأناقة سباقًا محمومًا نحو لفت الأنظار أو استعراض التفاصيل؛ فثمة إطلالات تتجاوز حدود المظهر لتصبح تعبيرًا عن الشخصية، وثمة حضور يمنح الصورة معناها قبل أن تمنحه الملابس بريقها. ومن هذا المنطلق، جاءت إطلالة النجمة إلهام شاهين في مهرجان نقابة المهن التمثيلية في دورته التاسعة، بإطلالة يغلب عليها اللون الأسود، لتفتح بابًا للقراءة يتجاوز أحكام الإعجاب العابر أو النقد السريع، ويمنحنا فرصة للتأمل في العلاقة بين الأناقة والنضج، وبين الحضور والثقة، وبين ما تختاره المرأة لنفسها وما يصرّ الآخرون على إخضاعه لمعاييرهم الخاصة.
اختارت إلهام شاهين إطلالة تعتمد على طابع كلاسيكي هادئ، إذ حضرت بملابس سوداء تجمع بين البساطة والاتساع، مع تفاصيل من الدانتيل المفرغ على الأكمام والكتفين، أضفت قدرًا من الرقة والثراء البصري على التصميم. وجاءت الأكمام الواسعة لتمنح المظهر حركة وانسيابية، بينما حافظ اللون الأسود على وقاره وقدرته الدائمة على الجمع بين الأناقة والعملية. لم تكن الإطلالة صاخبة في خطوطها، ولم تعتمد على المبالغة في الزخارف أو التنافس مع الخلفية الاحتفالية الغنية بالألوان؛ بل استندت إلى فكرة أكثر هدوءًا، مفادها أن الأناقة لا تحتاج دائمًا إلى إعلان صاخب عن نفسها، وأن البساطة حين تُحسن اختيار تفاصيلها قد تكون أكثر تعبيرًا من التكلّف.
ومن الناحية النقدية، يمكن النظر إلى هذه الإطلالة باعتبارها اختيارًا يميل إلى الراحة والثقة أكثر من سعيه إلى استعراض الصيحات العابرة. فالملابس الواسعة تمنح حضورًا عمليًا، والدانتيل يخفف من صرامة اللون الأسود، فيما يخلق التناغم بين القطع مظهرًا متماسكًا لا يتكئ على عنصر واحد لفرض جاذبيته. ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية لا تقتضي تحويل كل اختيار إلى استثناء جمالي مكتمل؛ فثمة مساحة دائمًا لمناقشة التناسب بين القصّات وتوازن الأحجام وانسجام التفاصيل. وهذه المساحة هي جوهر النقد الحقيقي: أن نصف ما نراه بدقة، وأن نناقش ما يحتمل النقاش، من دون أن نحول الذوق الشخصي إلى حكم نهائي، أو نجعل الاختلاف في الرأي ذريعة للانتقاص من صاحبته.
ولعل ما يمنح إطلالة إلهام شاهين معناها الأوسع هو أن حضورها لا ينفصل عن مسيرة فنية طويلة جعلتها واحدة من الشخصيات المعروفة في الحياة الفنية المصرية. فالنجمة التي اعتادت الوقوف أمام الكاميرا، ومواجهة الجمهور، وخوض النقاشات العامة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة أو فستان واحد أو رأي عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. إن الصورة لحظة، أما المسيرة فزمن ممتد؛ والصورة تُرى في ثوانٍ، بينما يحتاج تقييم التجربة إلى معرفة أوسع بالأعمال والمواقف والاختيارات. ومن هنا، يصبح من الظلم النقدي أن نمنح المظهر وزنًا أكبر من حجمه، أو أن نختزل امرأة لها تاريخ مهني في تفصيل من تفاصيل ملابسها.
وفي سياق منفصل، وربما أكثر أهمية من الحديث عن الإطلالة ذاتها، تبرز إلهام شاهين بشخصية تتمتع بحيوية واضحة، وبروح تبدو محبة للحياة والتواصل، وباستعداد مستمر للحضور في الفعاليات الفنية التي تجمع الأجيال وتمنح المواهب مساحة للظهور. وهذه الروح، في تقديري، تستحق التوقف عندها؛ لأن الفنان لا يُقاس فقط بما يقدمه على الشاشة، وإنما أيضًا بقدرته على البقاء متصلًا بالحركة الثقافية والفنية، وباستعداده للاحتفاء بالتجارب الجديدة وعدم التعامل مع الفن بوصفه مساحة مغلقة لا تتسع إلا للأسماء الراسخة.
إن دعم الشباب في المجال الفني ليس مجاملة اجتماعية ولا عبارة تُقال أمام الكاميرات، بل هو موقف له دلالته في صناعة تقوم على انتقال الخبرة وتراكم التجارب وفتح الأبواب أمام أصوات جديدة. فالفن الذي لا يسمح لأجياله الجديدة بالتعبير عن نفسها يتحول، مع الوقت، إلى دائرة تعيد إنتاج ذاتها، أما الفن الذي يحتفي بالشباب ويمنحهم فرصة الاختلاف والتجريب، فإنه يضمن لنفسه القدرة على التجدد والاستمرار. ومن هذه الزاوية، فإن مساندة المواهب الشابة، والاهتمام بالموضوعات المهمة التي تشغل المجتمع، والمشاركة في الفعاليات التي تسلط الضوء على الحركة الفنية، كلها أمور تمنح الحضور العام للفنان قيمة تتجاوز حدود الشهرة والصورة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة حين يتعلق الأمر بموضوعات جادة تمس الإنسان والمجتمع؛ فالفن ليس ترفًا منفصلًا عن الحياة، ولا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للترفيه الخالي من الأسئلة. إنه مساحة لاختبار الأفكار، ومساءلة المسلّمات، وكشف التناقضات، وإعادة النظر في العلاقات الإنسانية والاجتماعية. والفنان الذي ينحاز إلى مناقشة القضايا المهمة يضع نفسه، بالضرورة، في مواجهة اختلاف الآراء وتباين المواقف، لأن كل خروج إلى المجال العام يحمل احتمال الاتفاق والرفض معًا. لكن قيمة الموقف لا تُقاس بحجم التصفيق الذي يحصده، كما لا تُقاس بعدد المعارضين له؛ بل بمدى اتساقه مع قناعة صاحبه، وبقدرته على فتح باب للحوار بدلًا من إغلاقه.
ومن هنا، لا يمكن فصل ما تتعرض له إلهام شاهين من انتقادات متكررة عن ظاهرة أوسع في ثقافتنا المعاصرة، تتمثل في الميل إلى تحويل الشخصيات العامة إلى موضوعات دائمة للمحاكمة، بحيث لا يعود الاختلاف في الرأي مجرد اختلاف، بل يتحول أحيانًا إلى رغبة في النيل من الشخص نفسه. وقد يكون النقد حقًا أصيلًا ومشروعًا، بل ضرورة لا غنى عنها في أي مجتمع يسعى إلى مراجعة أفكاره ومواقفه، لكن المشكلة تبدأ حين يفقد النقد موضوعيته، ويتحول من مناقشة الفكرة إلى مهاجمة صاحبها، أو من تقييم العمل إلى التشكيك في النوايا، أو من إبداء الرأي إلى ممارسة ضغط معنوي لا يعترف بحق الآخر في الاختلاف.
والفارق بين النقد والتجريح ليس فارقًا لغويًا بسيطًا، وإنما فارق أخلاقي وفكري عميق. فالنقد يسأل: ما الذي قيل؟ وما حجته؟ وما مدى اتساقه مع الوقائع؟ أما التجريح فيسأل، ضمنًا: كيف يمكن تحويل الاختلاف إلى إدانة شخصية؟ النقد يضيء الفكرة ويفحصها، بينما يسعى التجريح إلى إطفاء صاحبها. والنقد الحقيقي لا يخشى الحوار، لأنه يستند إلى الحجة، أما الهجوم الشخصي فيستمد قوته غالبًا من الانفعال والتكرار وتعبئة الجمهور. ولهذا، فإن الدفاع عن حق إلهام شاهين في التعبير عن آرائها لا يعني الاتفاق معها في كل ما تقوله أو تتبناه، كما أن الاختلاف معها لا يمنح أحدًا حق الانتقاص من كرامتها. فالحق في الاختلاف لا يكتمل إلا بالاعتراف المتبادل بحقوق المختلفين.
ومن الناحية الفلسفية، تكشف تجربة الفنان في المجال العام عن مفارقة لافتة: فالجمهور يريد من الفنان أن يكون حاضرًا ومؤثرًا وصاحب موقف، لكنه قد يعاقبه في الوقت نفسه حين يتجاوز الصورة المألوفة التي رسمها له. يريد منه الجرأة، بشرط ألا تكون جرأته مزعجة؛ ويريد منه الصراحة، ما دامت لا تمس قناعاته؛ ويريد منه المشاركة في الشأن العام، ثم يعترض حين تأتي مشاركته على غير هواه. إنها مفارقة تكشف أن بعض أشكال الإعجاب لا تتعلق بالشخص الحقيقي بقدر ما تتعلق بالصورة التي نريد له أن يظل أسيرًا لها. وفي مواجهة هذا التناقض، تصبح القدرة على الاستمرار، وعلى الاحتفاظ بالحيوية والرغبة في المشاركة، إحدى صور الصلابة النفسية والمهنية، من دون أن يعني ذلك أن كل انتقاد ظلم أو أن كل موقف يستحق التأييد.
ولعل أجمل ما يمكن التوقف عنده في شخصية فنية مثل إلهام شاهين هو أن الروح الحلوة، بالمعنى الإنساني البسيط، لا تُقاس بابتسامة في صورة أو بمجاملة في مناسبة، بل بما تعكسه من انفتاح على الحياة، وقدرة على التواصل، واستعداد للمشاركة في لحظات الفرح والعمل والاحتفاء بالآخرين. إنها تلك الطاقة التي تجعل الإنسان قادرًا على الحضور رغم الضجيج، وعلى مواصلة طريقه رغم اختلاف الآراء، وعلى ألا يسمح لكل موجة نقد بأن تتحول إلى معركة شخصية تستنزف اهتمامه ووقته. ولا يعني ذلك أن الفنان لا يتأثر بما يقال عنه، أو أنه مطالب بالتظاهر بالقوة طوال الوقت، بل يعني أن النضج يكمن في التمييز بين النقد الذي يستحق المراجعة، والهجوم الذي لا يستحق أن يصبح مركز الحياة.
أما مهرجان نقابة المهن التمثيلية في دورته التاسعة، فهو في جوهره مناسبة للاحتفاء بالمهنة وأهلها، وليس مجرد خلفية لصور الإطلالات. فقيمة المهرجانات لا تتوقف عند السجادة الحمراء أو الأضواء أو الأسماء التي تتصدر المشهد، وإنما تمتد إلى قدرتها على إبراز التنوع الفني، وتعزيز الروابط بين العاملين في المجال، وإتاحة الفرصة أمام المواهب الجديدة لتجد مكانها في المشهد الثقافي. ومن ثم، فإن وجود نجمة ذات خبرة وحضور جماهيري في مناسبة كهذه يمكن أن يُقرأ أيضًا في إطار التواصل بين الأجيال، شرط ألا نكتفي بالرمزية وحدها، بل ننظر إلى ما يتحقق فعليًا من دعم وفرص ومشروعات ومساحات عادلة للمشاركة.
في النهاية، قد تختلف الأذواق حول إطلالة إلهام شاهين، وقد تتباين الآراء حول مواقفها العامة، وهذا أمر طبيعي في حياة فنية نابضة بالاختلاف. لكن ما يستحق التأكيد هو أن الاختلاف لا ينبغي أن يلغي الاحترام، وأن النقد لا يفقد قيمته حين يكون منصفًا، بل يكتسب قيمته الحقيقية منه. فإطلالتها السوداء، بتفاصيلها الهادئة وأكمامها المزينة بالدانتيل، ليست وحدها ما يستحق الحديث؛ الأهم هو ألا تتحول المرأة إلى مجرد مظهر، وألا يتحول الفنان إلى صورة معلقة على جدار توقعات الجمهور، وألا تصبح الشهرة ثمنًا يدفعه صاحبها من كرامته وحقه في أن يكون مختلفًا.
تبقى إلهام شاهين، بما لها وما عليها، شخصية فنية يحق للجمهور أن يناقش أعمالها ومواقفها، كما يحق لها أن تواصل التعبير عن نفسها والمشاركة في الحياة العامة. وبين إطلالة تُقيَّم بالذوق، وموقف يُناقش بالحجة، وشخصية تُعامل بالاحترام، تتضح المسافة التي يحتاج إليها خطابنا الثقافي كي يصبح أكثر نضجًا وإنصافًا. فالأناقة الحقيقية ليست في الملابس وحدها، والروح الجميلة ليست في المظهر وحده، والنضج ليس في تجنب الخلاف، بل في القدرة على الاختلاف من دون أن نفقد إنسانيتنا. ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من هذه المناسبة: أن نحتفي بالجمال من دون مبالغة، ونمارس النقد من دون قسوة، وندعم الشباب من دون شعارات، ونمنح الإنسان حقه في أن يظل أكبر من الصورة التي يراه الآخرون من خلالها.



